كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 566
كان يسمع إذا جهرنا فأنه يسمع إذا أخفينا ، فأنزل الله ) وما كنتم ( - الآية ، قال البغوي ؛ قيل : الثقفي عبد ياليل وختناه ، والقرشيان : ربيعة وصفوان بن أمية .
ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقاصاً يقدح في الإلهية ، بين أنه الموجب للغضب فقال : ( وذلكم ) أي الأمر العظيم في القباحة ، ثم بينه بقوله : ( ظنكم ) أي الفاسد ، ووصفه بقوله : ( الذي ظننتم بربكم ) أي الذي طال إحسانه إليكم من أنه لا يعلم حالكم ، ثم أخبر عنه بقوله : ( أردناكم ) أي تسبب عنه خاصة أنه أهلككم .
وأما معاصي الجوارح مع التوحيد والتنزيه فأمرها أسهل ، والحاصل أن كل ظن كان غير مأذون فيه من الشارع فهو يردي صاحبه .
ولما كان الصباح محل رجاء الفراح ، فكان شر الأتراح ما كان فيه ، قال : ( فأصبحتم ) أي بسبب أن ما أعطيتموه من النعم لتستنفذوا به أنفسكم من الهلاك كان سبب هلاككم ) من الخاسرين ) أي العريقين في الخسارة ، المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم ، وصوره بأقبح صورة وهو الصباح ، فالمعنى أنه إذا صار حالكم حال من أصبح كذلك لم يكن للربح وقت يتدارك فيه بخلاف ما لو وجد ذلك عن المساء فإنه كان ينتظر الصباح للسعي في الربح ، ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه للربح ، فينبغي للمؤمن أن يكون حال خلوته أشد ما يكون هيبة لله .
ولما كان ذلك ، تسبب عنه قوله لافتاً القول عن خطابهم إيذاناً بشدة الغضب وإشارة ألى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال ، فلم يقدروا على نطق بلسان ، ولا إشارة برأس ولا بنان : ( فإن يصبروا ) أي على ما جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم ، وهو معنى قوله : ( فالنار مثوى ) أي منزلاً ) لهم وإن يستعتبوا ) أي يطلبوا الرضى بزوال العتب عليهم ليعفي عنهم ويترك عذابهم .
ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة ، أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد ، وعطفه على ما تقديره : فإنا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما يوجب العتب ، فأعرضوا ولم تنفعهم النذرى بصاعقة عاد وثمود ، فقال صارفاً القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جداً : ( وقيضنا ) أي جئنا وأتحنا وبعثنا وسببنا ووكلنا وهيأنا ، من القيض الذي هو المثل ، وقشر البيضة الأعلى اليابس ) لهم

الصفحة 566