كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 57
النار كما أقسمنا لأه ليس أحد إلا يردها ، ثم أخرجنا أهل ودنا وتركناهم فيها ترك المنسي .
ولما كان ما تقدم من أمرهم بالذوق مجملاً ، بينه بقوله مؤكداً له : ( وذوقوا عذاب الخلد ) أي المختص بأنه لا آخر له .
ولما كان قد خص السبب فيما مضى ، عم هنا فقال : ( بما كنتم ) أي جبلة وطبعاً ) تعلمون ( من أعمال من لم يخف أمر البعث ناوين أنكم لا تنفكون عن ذلك .
ولما كان قوله تعالى : ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ( قد أشار إلى أن الحامل لهم على الكفر الكبر ، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين لأجل الدارين ، تشوقت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل الكفران ، فقال معرفاً أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم
77 ( ) ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ( ) 7
[ الأنعام : 28 ] : ( إنما يؤمن بآياتنا ( الدالة على عظمتنا ) الذين إذا ذكروا بها ( من أيّ مذكر كان ، في أيّ وقت كان ، قبل كشف الغطاء وبعده ) خروا سجداً ) أي بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد ، خضعاً لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعاً ثابتاً دائماً ) وسبحوا ) أي أوقعوا التنزيه عن كل شائبة نقص من ترك البعث المؤدي إلى تضييع الحكمة ومن غيره متلبسين ) بحمد ( ولفت الكلام إلى الصفة المقتضية لتنزيههم وحمدهم تنبيهاً لهم فقال : ( ربهم ) أي بإثباتهم له الإحاطة بصفات الكمال ، ولما تضمن هذا تواضعهم ، صرح به في قوله : ( وهم لا يستكبرون ) أي لا يجددون طلب الكبر عن شيء مما دعاهم إليه الهادي ولا يوجدنه خلقاً لهم راسخاً في ضمائرهم .
ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل ، نفى ذلك عنهم بقوله مبيناً بما تضمنته الاية السالفة من خوفهم : ( تتجافى ) أي ترتفع ارتفاع مبالغ في الجفاء - بما أشار إليه الإظهار ، وبشر بكثرتهم بالتعبير بجمع الكثرة فقال : ( جنوبهم ( بعد النوم ) عن المضاجع ) أي الفرش الموطأة الممهدة التي هي محل الراحة والسكون والنوم ، فيكونون عليها كالملسوعين ، لا يقدرون على الاستقرار عليها ، في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة والسرور بما تهواه النفوس ، قال الإمام السهرودي في الباب السادس والأربعين من عوارفه عن المحبين : قيل : نومهم نوم الفرقى ، وأكلهم أكل المرضى ، وكلامهم ضرورة ، فمن نام من غلبة بهمّ مجتمع متعلق بقيام الليل وفق لقيام الليل ، وإنما النفس إذا طعمت ووطنت على النوم استرسلت فيه ، وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا تسترسل في الاستقرار ، وهذا الإزعاج في النفس بصدق العزيمة هو التجافي الذي قال الله ، لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين الجنس والمضجع سواء وتجافياً .

الصفحة 57