كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 578
العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد : ( إن الذي أحياها ( بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار تراباً ) لمحيي الموتى ( كما فعل بالنبات من غير فرق .
ولما كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللاً مؤكداً : ( أنه على كل شيء قدير ( لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة ، فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره .
ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب ، وأشرف المراتب ، وبين أنها إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من اعظمها البعث ، وبينه إلى أن كان بهذا الحد من الوضوح ، كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله : فقال في عبارة عامة له ولغيره ، مؤكداً تنبيهاً على أن فعلهم فعل يظن أنه سبحانه لا يطلع على أعماله : ( إن الذين يلحدون ) أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن العدل بنحو قولهم ) ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( ، أو يماحلون باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغظ وكل ما يشمله عما تصح إرادته .
ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحاً في الاعتراف بالعظمة ، أعاد مظهرها فقال : ( في آياتنا ( على ما لها من العظمة الدالة على مل لنا من الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة : ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة سبباً للأخذ ، قال مقرراً للعلم بعد تقرير القدرة : ( لا يخفون علينا ) أي في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه ، ونحن قادرون على أخذهم ، فمتى شئنا أخذنا ، ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت .
ولما كان الإلحاد سبباً لإلقاء صاحبه في النار ، وكان التقدير : ونحن نحلم عن العصاة فمن رجع إلينا أمن من كل مخوف ، ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في النار ، سبب عنه قوله تعالى : ( أفمن يلقى في النار ) أي على وجهه بأيسر أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات ، فيكون خائفاً يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه ) خير أم من يأتي ( إلينا ) آمناً يوم القيامة ( حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه ، والآية من الاحتباك : ذكر الإلقاء في النار أولاً دليلاً على دخول الجنة ثانياً ، والأمن ثانياً دليلاً على الخوف أولاً ، وسره أنه ذكر المقصود بالذات ، وهو ما وقع الخوف لأجله أولاً ، والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانياً .
ولمام كان هذا راداً ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام الله وإفضاله ، أنتج قوله مهدداً ومخوفاً ومتوعداً صارفاً القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان : ( اعملوا ما شئتم ) أي فقد علمتم مصير المشيء والمحسن ، فمن أراد شيئاً من الجزاءين فليعمل أعماله ، فإنه ملاقيه .
ولما