كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 582
نريد ، بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال : ( قل هو ) أي هذا القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره ) للذين آمنوا ) أي أردنا وقوع الإيمان منهم ) هدى ( بيان لكل مطلوب ) شفاء ( لما في صدروهم من داء الكفر والهواء شفاء للعلماء حيث استراحوا من كد الفكرة وتحير الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه من التنعيم بقراءته والتلذذ بالتفكر فيه ، ولقلوب المحبين من لواعج الاشتياق بما فيه من لطائف المواعيد ، ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق وآثار خطاب الرب العزيز ) والذين لا يؤمنون ) أي أردنا أنه لا يتجدد منهم إيمان ) في آذانهم وقر ) أي ثقل مذهب للسمع مصم ، فهم لذلك لا يسمعون سماعاً ينفعهم لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا عليه فصاروا لا يقدرون على تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعو عليهم فهمه ) وهو عليهم ) أي خاصة ) عمى ( مستعلٍ على أبصارهم وبصائرهم لازم لهم ، فهم لا يعونه حق الوعي ، ولا يبصرون الداعي به حق الإبصار ، فلهم به ضلال وداء ، فلذلك قالوا ) ومن بيننا وبينك حجاب ( وذلك لما يحصل لهم من الشبه التي هيئت قلوبهم لقبولها ، أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا يألفون سوى فروعها وأصولها ، فقد بان لأن سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم إيمانهم للحكم بإشقائهم ، فالآية من الاحتباك : ذكر الهدى والشفاء اولاً دليلاً على الضلال والداء ثانياً ، والوقر والعمى ثانياً دليلاً على السمع والبصائر أولاً ، وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات المؤمنين وأذم صفات الكافرين ، لأنه لا أحقر من أصم أعمى .
ولما بان بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال : ( أولئك ) أي البعداء البغضاء مثالهم مثال من ) ينادون ) أي يناديهم من يريد نداءهم غير الله ) من مكان بعيد ( فهم بحيث لا يتأبى سماعهم ، وأما الأولون فهم ينادون بما هيئوا له من القبول من مكان قريب ، فهذه هي القدرة الباهرة ، وذلك أن شيئاً واحداً يكون لناس في غاية القرب ولناس معهم في مكانهم في أنهى البعد .
ولما كان التقدير : فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة ، فاختلفت فيه أمتك على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين تكبروا عليه أن ختمنا على مشاعرهم ، عطف عليه مسلياً قوله مؤكداً لمن يقول من أهل الكتاب إضلالاً : لو كان نبياً ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما يلبس به : ( ولقد آتينا ) أي على ما لنا من العظمة ) موسى الكتاب ) أي الجامع لما فيه هداهم ) فاختلف ) أي وقع الاختلاف ) فيه ) أي من أمته كما وقع في هذا الكتاب لأن الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما