كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 590
وغير ذلك ، وليس ذلك منكم صادراً عن حجة قاطعة في أمره أتم معها على يقين بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم أنه ) من عند الله ( الذي له الإحاطة بجميع صفاات الجلال والجمال فهو لا يغالب .
ولما كان الكفر به على هذا التقدير في غاية البعد ، وكان مقصود السورة دائراً على العلم ، نبه على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما كان منهم إلا بعد تأمل طويل ، فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق من أعلى رتب الكلام إلى أصوات الحيوانات العجم فقال : ( ثم كفرتم به ) أي بعد إمعان النظر فيه والتحقق لأنه حق ، فكنتم بذلك في شقاق هو في غاية البعد من الملائمة لمن لم يزل يستعطفكم بجميل أفعاله ، ويردكم بجليل أقواله وآمن به غيركم لأنه من عند الله ) من أضل ( منكم - هكذا كان الأصل ولكنه قال : ( ممن هو في شقاق ) أي لأولياء الله ) بعيد ( تنبيهاً على أنهم صاروا كذلك ، وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى التي من واقعته هلك لا محالة ، ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل شيء ، فنجا من كل خطر - فالآية من الاحتباك : ذكر الكفر أولاً دليلاً على الإيمان ثانياً ، والضلال ثانياً دليلاً على الهدى أولاً ، وسره أن يذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ .
ولما كان هذا محزناً للشفوق عليهم لإفهامه لشدة بعدهم عن الرجوع ، قال منبهاً على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم غاية القرب لافتاً القول إلى مظهر العظمة إيذاناً بسهولة ذلك عليه : ( سنريهم ) أي عن قرب بوعد لا خلف فيه ) آياتنا ) أي على ما لها من العظمة ) في الآفاق ) أي النواحي ، جمع أفق كعنق وأعناق ، أبدلت الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد مثلها ، أي وظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح ، وذلك بما يفتح الله من البلاد بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة ، وشاهد عظيم كاف في صحة الرسالة ، تصديقاً لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها لنصر أنبيائه ورسله وبما فيها من عجائب الصنع وغرائب الآثار والوضع باختلاف الأحكام مع اتفاق جواهرها في النجانس - وغير ذلك من الآيات بالبصر اللاتي يشرحها بآيات السمع .
ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر ، وكل ما كان أقرب إليه كان أقرب إلى الكمال ، وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك ، بدأ بها ، ثم قال : ( وفي أنفسهم ) أي من ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب الخلق وغرائب الصنعة وما فيه من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من الشواهد المطابقة لما تضربه من الأمثال

الصفحة 590