كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 64
الفريقين في الدنيا ، فقال مهدداً : ( أو لم ) أي أيقولون عناداً لرسولنا : أفتراه ولم ) يهد ) أي يبين - كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ) لهم كم أهلكنا ) أي كثرة من أهلكناه .
ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل ، بين قربهم بإدخال الجار فقال : ( من قبلهم ) أي لأجل معاندة الرسل ) من القرون ( الماضين من المعرضين عن الآيات ، ونجينا من آمن بها ، وربما كان قرب المكان منزلاً قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار ، والتردد خلال الديار .
ولما كان انهماكهك في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال ، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من الأحوال ، بقوله : ( يمشون ) أي أنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي ) في مساكنهم ( لشدة ارتباطهم مع المحسوسات ، وذلك كمساكين عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم .
ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة ، قال منبهاً عليه مؤكداً تنبيهاً على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر : ( إن في ذلك ) أي الأمر العظيم ) لآيات ) أي دلالات ظاهرات ، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار ، ومسموعات في الأخبار .
ولما كان السماع هو الركن الأعظم ، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع ، قال منكراً : ( أفلا يسمعون ) أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغيّ إلى غير سماعها ، فإن لم يرجع فهو مم لا سمع له ) أو لم ) أي أيقولون في إنكار البعث : إذا ضللنا في الأرض ، ولم ) يروا أنا ( بما لما من العظمة ) نسوق الماء ( من السماء أو الأرض ) إلى الأرض الجزر ) أي التي جزر نباتها أي قطع باليبس والتهشم ، أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها ، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : إنها التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً ، قالوا : ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ : جزر ، ويدل عليه قوله : ( فنخرج به ( من أعماق الأرض ) زرعاً ) أي نبتاً لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعاً قبل هذا ، وأشار إلى أنه حقيقة ، لا مرية فيه ، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة ، بقوله مذكراً بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد : ( تأكل منه ) أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه ) أنعامهم ( وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ، ولأن السياق لمطلق إخراج الرزع ، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس ، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال : ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) [ عبس : 24 ] ثم