كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 68
تمام أمره ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولاً .
والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق ، وهي النبوة ، والثانية قليلة الوقوع ، فالرسل معشار معشار الأنبياء ، وللنبوة اشتقاقان : أحدهما من النبأ وهو الخبر ، وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع والإنباء فنبئ ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما نبأ فيكون حامل علم ، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو ، وذلك لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم .
فكان مطلعاً على علم ما ورد عليه من الغيب على حقيقته وكماله ، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع ، كان نبيئاً بالهمز ، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبياً غير مهموز ، فآدم عليه السلام مثلاً في علم الأسماء نبي بغير همز ، وفي ما وراءه نبيء بهمز ، وفيما وراءه نبئ بهمز - انتهى - ولم يناده سبحانه باسمه تشريفاً لقدره ، وإعلاء لمحله ، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى ، وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه ، وقطعاً لشبه التعنت .
ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط ، أمره بالخوف فقال : ( اتق الله ) أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي الجلال كله والإكرام ، لئلا تلتفت إلى شيء سواه ، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال ، والعظمة والكمال .
ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الولي الودود ، أتبعه النهي عن الالتفاف نحو العدو والحسود .
فقال : ( ولا تطع الكافرين ) أي الممانعين ) والمنافقين ) أي المصانعين في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح لائح خوف أو برق بارق رجاء ، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح ، فإنهم إنما يطلبون ذلك استهزاء ، قال أبو حيان : وسبب نزولها أنه روي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود ، فتابعه ناس منهم على النفاق ، وكان يلين لهم جانبه ، وكانوا يظهرون النصائح من طرق المخادعة ، فنزلت تحذيراً له منهم ، وتنبيهاً على عداوتهم - انتهى ثم علل الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللوزم ، فقال ملوحاً إلى أن لهم أغواراً في مكرهم ربما خفيت عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأكد ترغيباً في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام : ( إن الله ) أي بعظيم كماله وعز جلاله ) كان ( أزلاً وأبداً ) عليماً ( شامل العلم ) حكيماً ( بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يرتب عليه ، وأحكم إصلاح الحال فيه .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ، ونهيه