كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 72
ولما كان التقدير : فإنه يكفيك في جميع ذلك ، عطف عليه قوله : ( وكفى بالله ) أي الذي له الأمر كله على الإطلاق ) وكيلاً ) أي إنه لا أكفى منه لكل من وكله في أمره ، فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى شيء لأنه ليس لك قلبان تصرف كلاً منهما إلى واحد .
ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين ، أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هماً واحداً فيما يكون من أمور الدين والدنيا ، وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابهها بضرب المثل بالقلبين - كما قال الزهري ، فقال معللاً لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع قطع النظر عن رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه : ( ما جعل الله ) أي الذي له الحكمة البالغة ، والعظمة الباهرة ، وليس الجعل إلا له ولا أمر لغيره ) لرجل ) أي لأحد من بني آدم الذين هم أشرف الخلائق من نبي ولا غيره ، وعبر الرجل لأنه أقوى جسماً وفهماً فيفهم غيره من باب الأولى ؛ وأشار إلى التأكيد بقوله : ( من قلبين ( وأكد الحقيقة وقررها ، وجلاها وصورها لما قد يظن الإنسان من أنه يقدر على صرف النفس إلى الأمور المتخالفة كما يفعل المنافق ، بقوله : ( في جوفه ) أي حتى يتمكن من أن ينزع بكل قلب إلى جهة غير الجهة التي نزع إليها القلب الآخر لأن ذلك مودِّ إلى خراب البدن لأن القلب مدبره بإذن الله تعالى ، واستقلال كل بالتدبير يؤدي إلى الفساد كما مضى في دليل التمانع سواء ؛ قال الرازي في اللوامع : القلب كالمرآة مهما حوذي به جانب القدس أعرض عن جانب الحس ، ومهما حوذي به جانب الحس أعرض عن جانب القدس ، فلا يجتمع الإقبال على الله وعلى ما سواه - انتهى .
وحاصل ذلك أنه تمهيد لأن التوزع والشرك لا خير فيه ، وأن مدبر الملك واحد كما أن البدن قلب واحد ، فلا التفاف إلى غيره ، وأن الدين ليس بالتشهي وجعل الجاعلين ، وإنما هو بجعله سبحانه ، فإنه العالم بالأمور على ما هي عليه .
ولما كان كل من المظاهرة والتبني ناوعاً إلى جهتين متنافيتين ، وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار طلاقاً مؤبداً لا رجعة فيه - كما نقله ابن الملقن في عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي ، وكان المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق إلى التأهل للخطاب ، لفت سبحانه القول إليه على قراءة الغيب في ( يعلمون ) لأبي عمرو فقال : ( وما جعل أزواجكم ) أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن من جهة الزوجية ؛ ثم أشار غلى الجهة الأخرى بقوله : ( اللائي تظاهرون منهن ) أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن : أنت عليّ كظهر أمي ) أمهاتكم ( بما حرم عليكم من الاستماع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأييد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها ، لأنه لا يكون لرجل أمان ، ولو جعل ذلك