كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 78
ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت وزادت حرقته من غير ركون إلى مؤالف موافق ، ولا اهتمام بمخالف مشاقق ، اعتماداً على تدبيره ، وعظيم أمره في تقديره ، ذكرهم بدليل شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم ، وأشد ما دهمتهم من كروبهم ، فقال معلماً أن المقصود بالذات بما مضى من الأوامر الأمة - وإنما وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) تكويني بمنزلة ما يقول الله تعالى له ) كن ( فحقيقة الإرادة لا الأمر ، والأمر للذين آمنوا تكفيلي .
وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد ، وللناس احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة ، ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان ، عبر به ليعم المنافقين ) اذكروا ( ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال : ( نعمة الله ( عبر بها لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له ) عليكم ) أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائناً من كان ، فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال : ( إذ ) أي حين ) جاءتكم ) أي في غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من شماليه ، وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعاً ، وكانوا ثلاثة آلاف ، فكان الخندق اثني عشر الف ذراع ) جنود ( وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب ، ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور ، ومن بني عامر يقودهم عامر بن الطفيل ، ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن ، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن خويلد ، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ورؤساهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق ، وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب إجلاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لبني النضير من المدينة الشريفة ، وأفسدوا أيضاً بني قريظة ، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن أسد ، فكان الجميع اثني عشر الفاً ، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام باقية ، ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية .
ولما كان مجيء الجنود مرهباً ، سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال : ( فأرسلنا ) أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم ، ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة ) عليهم ) أي خاصة ) ريحا ( وهي ربح الصبا ، فأطفأت نيرانهم .
وأكفأت قدروهم وجفانهم ، وسفت التراب في وجوههم ، ورمتهم بالحجارة وهدت

الصفحة 78