كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 79
خيامهم ، وأوهنت ببردها عظامهم ، وأجالت خيلهم ) وجنوداً لم تروها ( يصح أن تكون الرؤوية بصرية وقلبية ، منها من البشر بن مسعود نعيم الغطفاني رضي الله هنه هداه الله للإسلام ، فأتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : إنه لم يعلم أحد بإسلامي ، فمرني يا رسول الله بأمرك فقال : ( إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة ، فخذل عنا مهما استطعت ) فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن فال لليهود وكانوا أصحابه : إن هؤلاء - يعني العرب - إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا بلادهم راجعين .
وليس حالكم كحالهم ، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل ، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم ، فقالوا : أشرت بالرأي ، فقال : فاكتموا عني ، وقال لقريش : قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد ، وقد سمعت أمراً ما أظن أنكم تتهونني فيه ، فقالوا : ما أنت عندنا بمتهم ، قال : فاكتموا عني ، قالوا : نفعل ، قال : إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه : إنا قد ندمنا فهل ينفعك عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم ، ونكون معك على بقيتهم ، حتى تفرغ منهم لتكف عنا .
وتعيد لنا الأمان ، قال : نعم ، فإن أرسلوا إليكم فى تدفعوا إليهم رجلاً واحداً ، ثم أتى غطفان فقال : إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ، قالوا : صدقت ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم ، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهناً فقالوا : صدق نعيم ، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحداً ، فقالت قريظة : صدق نعيم ، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم ، فانكسرت شوكتهم ، وبدرت حدتهم ، ومنها من الملائكة جبرائيل عليه السلام ومن أراد الله منهم - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ، والتحية والإكرام ، فكبروا في نواحي عسكرهم ، وزلزلوا بهم ، وبثوا الرعب في قلوبهم ، فماجت خيولهم ، واضمحل قالهم وقيلهم ، فكان في ذلك رحيلهم ، بعد نحو أربعين يوماً أو بضع وعشرين - على ما قيل .
ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية ، فصلها فقال ذاكراً الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيراً : ( وكان الله ( الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال ) بما يعلمون ) أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد