كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 80
السيئ - على قراءة البصري ، وأنتم أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره - على قراءة الباقين ) بصيراً ( بالغ الإبصار والعلم ، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم ، ولا أغنت عنهم كثرتهم ، ولا ضر المؤمنين قلتهم ، وجعلنا ذلك سبباً لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء لأدواتهم بإراقة دمائهم - كما سيأتي ؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلاً من ) إذ ( الأولى : ( إذ جاؤوكم ) أي الجنود المذكورن بادئاً بالأقرب إليهم ، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة .
ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل ، أدخل أداة التبعيض فقال : ( من فوقكم ( يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق ، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام ، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق ، فصاروا فوق العيال والرجال .
ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض ، أوضحها بقوله : ( ومن أسفل منكم ( دون أن يقول : أسفلكم ، وأفاد ذلك أيضاً من في أسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط ، ولم يقل ( ومن تحتكم ) لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ، ولم يقل في الأول ( من أعلى منكم ) لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو ، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشاً ، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة .
ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف ، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضاً مفخماً لأمره بالغطف فقال : ( وإذ ) أي واذكروا حين ، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال : ( زاغت الأبصار ) أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب ، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليماً للأدب في المخاطبة ، وكذا ) وبلغت القلوب ( كناية عن شدة الرعب والخفقان ، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ومنه قولهم للجبان : انتفخ منخره أي رئته ) الحناجر ( جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم ، ومن هذا قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه ( شر ما في الإنسان جبن خالع ) أي يخلع القلب من مكانه ، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد .

الصفحة 80