كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 84
فرارا ( ولما كانت مشتدة بملازمة دورهم .
فأظهروا اشتداد العناية والعمدة فقال : ( ولو دخلت ) أي بيوتهم من أيّ داخل كان من هؤلاء الأحزاب أو غيرهم ، وأنث الفعل نصاً على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف ، وعبر بأداة الاستعلاء فقال : ( عليهم ( إشارة إلى أنه دخول غلبة ) من أقطارها ) أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب .
ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار ، من جميع الأقطار ، دون الاستقتال للدفع عن الأهل والمال ، بعيداً عن أفعال الرجال ؛ عبر بأداة التراخي فقال : ( ثم سئلوا ) أي من أيّ سائل كان ) الفتنة ) أي الخروج منها فارّين ، وكأنه سماه بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه ) لأتوها ) أي الفتنة بالخروج فراراً ، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة ، فهم أبداً يعولون على الفرار من غير قتال حماية لذمار أو دفعاً لعار ، أو ذباً عن أهل أو جار ، وهذا المعنى ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد ، فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبناً وقد جأءه وفعله .
ولما كان هذا عند العرب - مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة - لا يكاد يصدق ، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال : ( وما تلبثوا بها ) أي البيوت ) إلا يسيرا ( فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار ، لا حفظ البيوت من المضار ، ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله مؤكداً لأجل ما لهم من الإنكار والحلف بالكذب : ( ولقد كانوا ) أي هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي حريمهم واجتياح بيضتهم ) عاهدوا الله ) أي الذي أجلّ منه .
ولما كان العهد ربما طال زمنه فنسي ، فكان ذلك عذراً لصاحبه ، بين قرب زمنه بعد بيان عظمة المعاهد اللازم منه ذكره ، فقال مثبتاً الجار : ( من قبل ) أي قبل هذه الحالة وهذه الغزوة حين أعجبتهم المواعيد الصادقة بالفتوحات التي سموها الان عندما جد الجد مما هي مشروطة به من الجهاد غروراً ) لا يولّون ) أي يقربون عدوهم ) الأدبار ) أي أدبارهم أبداً لشيء من الأشياء ، ولا يكون لهم عمل إذا حمى الياس ، وتخالط الناس ، واحمرت الحدق وتداعس الرجال ، وتعانق الحماة الأبطال إلى الظفر أو الموت .