كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 86
بأن يقولوا : بلى لأنا طالما رأينا من هرب فسلم ، ومن ثبت فاصطلم ، أمره بالجواب عن هذا بقوله : ( قل ) أي لهم منكراً عليهم : ( من ذا الذي يعصمكم ) أي يمنعكم ) من الله ( المحيط بكل شيء قدرة وعلماً قبل الفرار وفي حال الفرار وبعده ) إن أراد بكم سوءاً ( فأناخ بكم نقمه فيرد ذلك السوء عنكم ) أو ( يهينكم ويقبح جانبكم ويمتهنه بأن يصيبكم بسوء إن ) أراد لكم رحمة ( فأفادكم نعمه ، والرحمة النفع سماه بها لأنه أثرها ، قيسوا هذا المعنى على مقاييس عقولكم معتبرين له بما وجدتم من الشقين في جميع أعماركم ، هل احترزتم عن سوء إرادة فنفعكم الاحتراز ، أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئاً من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد هلى كشفه بدون إذنه ؟ ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك : ذكر السوء أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً ، وذكر الرحمة ثانياً دليلاً على حذف ضدها أولاً .
ولما كانوا أجمد الناس ، أشار سبحانه بكونهم لم يبادروهم بأنفسهم الجواب بما يدل على المناب إلى جمودهم بالعطف على ما علم أن تقديره جواباً من كل ذي بصيرة : لا يعصمهم أحد من دونه من شيء من ذلك ، ولا يصيبهم بشيء منه ، فقال : ( ولا يجدون ) أي في وقت من الأوقات ) لهم ( ونبه على أنه لا شيء إلا وهو في مثبتاً الجار : ( من دون الله ( وعبر بالاسم العلم إشارة إلى إحاطته بكل وصف جميل ، فمن أين يكون لغيره الإلمام بشيء منها إلا بإذنه ) ولياً ( يوالهم فينفعهم بنوع نفع ) ولا نصيراً ( ينصرهم من أمره فيرد ما أراده من السوء عنهم .
ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم ، وأمره ( صلى الله عليه وسلم ) بوعظهم ، حذرهم بدوام عمله لمن يخون منهم ، فقال محققاً مقرباً من الماضي ومؤذناً بدوام هذا الوصف له : ( قد يعلم ( ولعله عبر ب ( قد ) التي ربما أفهمت في هذه العبارة التقليل ، إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى عقل في الخوف من سطوة المتهدد احتمال علمه ، وعبر بالاسم الأعظم فقال : ( الله ( إشارة إلى إحاطة الجلال والجمال ) المعوقين ) أي المثبطين تثبيط تكرية وعقوق ، يسرعون فيه إسراع الواقع بغير اختياره ) منكم ) أي أيها الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن إيتان حضرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) والقائلين لإخوانكم هلم ) أي ائتوا وأقبلوا ) إلينا ( موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيه القتال ، ويواظب على صالح الأعمال ) ولا ) أي والحال أنهم لا ) يأتون الباس ) أي الحرب أو مكانها ) إلا قليلاً ( للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون ، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنهم لواذاً ، وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذاً .