كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 87
ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجهاً صالحاً ، بين فساد قصدهم بقوله ذاماً غاية الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل ، فهو بخل بما في اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه ) أشحة ) أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلاً منهم شحيح ) عليكم ) أي بحصول نفع منهم أو من غيرهم بنفس أو مال .
ولما كان التقدير : في حال الأمن ، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال : ( فإذا جاء الخوف ) أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها ) رأيتهم ) أي أيها المخاطب ) وينظرون ( وبين بعدهم حساً ومعنى بحرف الغاية فقال : ( إليك ) أي حال كونهم ) تدور ( يميناً وشمالاً بإدارة الطرف ) أعينهم ) أي زائغة رعباً وخوراً ، تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال : ( كالذي ( اي كدوران عين الذي ، وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء الفعل له فقال : ( يغشى عليه ( مبتدئاً غشيانه ) من الموت ( سنة الله في أن كل من عامل الناس بالخداع ، كان قليل الثبات عند القراع ؛ ثم ذكر خاصى أخرى لبيان جبنهم فقال : ( فإذا ذهب الخوف ) أي بذهاب أسبابه ) سلقوكم ) أي تناواوكم تناولاً صعباً جرأة ووقاحة ، ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور ) بألسنة حداد ( ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه ، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها ؛ ثم بين المراد بقوله : ( أشحة ) أي شحاً مستعلياً ) على الخير ) أي المال الذي عندهم ، وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره ، شحاً لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه ، وهذه سنة أخرى في أن من كان صلباً في الرخاء كان رخواً حال الشدة وعند اللقاء ، وإنما فسرت الشح بهذا لأن مادته بترتيبها تدور على الجمع الذي انتهى فأشرف على الفساد ، من الحشيش والمحشة ، وهي الدبر ، فهو جمع يتبعه في الأغلب نكد وأذى ، ومن لوازم مطلق الجمع القوة فتتبعها الصلابة ، فربما نشأت القساوة ، وربما نشأت عن الجمع الفرقة فازمها الرخاوة ، فمن الجمع النكد الشح وهو البخل والحص ، وشح النفس حرصها على ما ملكت ، قال القزاز : وجمع الشحيح في أقل العدد أشحة ، ولم أسمع غيره ، وحكى أبو يوسف : أشحاء - بالمد في الكثير ، والرجلان يتشاحان عن الأمر - إذا كان كل منهما يريد أن لا يفوته ، وزند شحاح : لا يورى ، وما شحاح : نكد غير غمد - لأنه اشتد اجتماعه في مكانه ، واشتدت أرضه باجتماع أجزائها فصلبت جداً فضنت به .
وأرض شحاح : صلبة ، قال القزاز : وبه شبه الزند ، والشحاح : الحد والسيئ الخلق والماضي في كلام أو سير ، والمواظب

الصفحة 87