كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 91
يدلهم على تناهي الغضب ، فقال مؤكداً محققاً لأجل إنكارهم : ( لقد كان لكم ( أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم ) في رسول الله ( الذي جاء عنه لإنقاذكم من كل ما يسوءكم ، وجلاله من جلاله المحيط بكل جلال ، وكماله من كماله العالي على كل كمال ، وهو أشرف الخلائق ، فرضيتم مخالطة الأجلاف بدل الكون معه ) أسوة ) أي قدوة عظيمة - على قراءة عاصم بضم الهمزة ، وفي أدنى المراتب - على قراءة الباقين بالكسر ، تساوون أنفسكم به وهو أعلى الناس قدراً يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه فضلاً عن أن يسوي نفسه بنفسه ، فيكون معه في كل أمر يكون فيه ، لا يختلف عنه أصلاً ) حسنة ( على قراءة الجماعة بمطلق الصبر في البأساء وأحسنية على قراءة عاصم بالصبر على الجراح في نفسه والإصابة في عمه وأعزّ أهله وجميع ما كان يفعل في مقاساة الشدائد ، ولقاء الأقران ، والنصيحة لله ولنفسه وللمؤمنين ، وعبر عنه بوصف الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا بأفعاله وأقواله ، ويتخلفوا بأخلاقه وأحواله ، ونبه على ان الذي يحمل على التآسي به ( صلى الله عليه وسلم ) إنما هو الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان بالقيامة ، وأن الموجب للرضا جبلة له ) يرجوا الله ) أي في جبلته أنه يجدد الرجاء مستمراً للذي لا عظيم في الحقيقة سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده ) واليوم الآخر ( الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم ، فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير ، ومنعه من كل شر ، فإنه يوم التغابن ، لأن الحياة فيه دائمة ، والكسر فيه لا يجبر .
ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ عن المراقبة لأنه في جبلته ، أنتج ان يقال : فأسى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تصديقاً لما في جبلته من الرجاء ، فعطف عليه ، أو على ( كان ) المقتضيه للرسوخ قوله : ( وذكر الله ( الذي له صفات الكمال ، وقيده بقوله : ( كثيراً ( تحقيقاً لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح ، وأن المراد منه الدائم في حالي السراء والضراء .
ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من الشدائد الناشئة عن الرعب لعامة الناس ، وخص من بينهم المنافقين بما ختمه بالملامة في ترك التأسي بمن أعطاء الله قيادهم ، وأعلاه عليهم في الثبات والذكر ، وختم بما يثمر الرسوخ في الدين ، ذكر حال الراسخين في أوصاف الكمال المتأسين بالداعي ، المتفقين للهادي ، فقال عاطفاً على ) هنالك ابتلى المؤمون ( : ( ولما رأى المؤمنون ) أي الكاملون في الإيمان ) الأحزاب ( الذين أدهشت رؤيتهم القلوب ) قالوا ) أي مع ما حصل لهم من الزلزال

الصفحة 91