كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 93
فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقاً فيخص هذه الغزوة فقال : ( من المؤمنين ) أي الكمل ) رجال ) أي في غاية العظمة عندنا ، ثم وصفهم بقوله : ( صدقوا ( ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية ، والأخلاق الزكية ، لشدة ذكرهم له ومحافظتهم على الوفاء به ، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم ، يتقاضاهم الصدق ، عدى الفعل إليه فقال : ( ما عاهدوا الله ( المحيط علماً وقدرة وجلالاً وعظمة ) عليه ) أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في هذا الدين الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء ، وفي هذا إشارة إلى أبي لبابة بن المنذر رضي الله عنه ، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح ، كما تقدم في الأنفال في قوله تعالى :
77 ( ) يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ( ) 7
[ الأنفال : 27 ] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقاً لصدقه في سارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيده الشريفة .
ولما ذكر الصادقين ، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل ، قسمهم قسمين مشيراً إلى خلاف ذلك بقوله : ( فمنهم من قضى ) أي أعطى ) نحبه ) أي نذره في معاهدته ، أنه ينصر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويموت دونه ، وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيداً ، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبدالمطلب ومصعب بن عمير وعبدالله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب من غزوة بدر فقال : غبت عن أول قتال فيه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع ، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين .
وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر ) من المؤمنين رجال ( ( - انتهى ، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها ، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي ، ولم يرع لهم حلفهم لقومه ، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبدالله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضباً لله ولرسوله رضي الله عنه ، وممن لم يقتل في عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره ، لزم