كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 98
لديه ، المعلوم امتثالاً للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف ، والقناعة والعفاف ، بتخيير ألصق الناس به تأديباً لكافة الناس ، فقال على طريق الاستنتاج مما تقدم : ( يا أيها النبي ( ذاكراً صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام بأسرار القلوب ، وخفايا الغيوب ، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من المعارف ، ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى : ( قل لأزواجك ) أي نسائك : ( إن كنتن ) أي كوناً راسخاً ) تردن ) أي اختياراً عليّ ) الحياة ( ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال : ( الدنيا ) أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة ) وزينتها ) أي المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه ، لأنها قاطعة عنه ) فتعالين ( أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور ، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ثم كثر حتى صار معناه : أقبل ، وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره ) أمتعكن ) أي بما أحسن به إليكن ) وأسرحكن ) أي من حباله عصمتي ) سراحاً جميلاً ) أي ليس فيه مضارة ، ولا نوع حقد ولا مقاهرة ) وإن كنتن ( بما لكن من الجبلة ) تردن الله ) أي الآمر بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال ) ورسوله ( المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع منه شيئاً ، لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله ) والدار الآخرة ( التي هي الحيوان بما لها من البقاء ، والعلو والارتقاء .
ولما كان ما كل من أظهر شيئاً كان عالي الرتبة فيه ، قال مؤكداً تنبيهاً على أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعاً لظن من يغلب عليه حال البشر فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم ، أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد وقوعه في الدنيا والآخرة ) للمحسنات منكن ) أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره ) أجراً عظيماً ) أي تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة .
ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيباً في ترغيب ، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان ، فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عرض عليهن رضي الله عنهن ذلك ، وبدأ بعائشة رضي الله عنها رأس المحسنات إذ ذاك رضي الله عنها وعن أبيها وقال لها : ( إني قائل لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك )