كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 6)
فطافا في المجالس فـ {استَطعَمَا أَهلَهَا فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} يَقُولُ: مَائِلٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القُرى التي تبخل بالقِرى ويحتمل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد به جوعه، ففيه ما يدل: على جواز المطالبة بالضيافة، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إذا نزلتم بقوم فلم يضيفوكم فاطلبوا منهم حق الضيف (¬1). وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها، ويعفو الله عن الحريري، فإنَّه تسخَّف في هذه الآية وتمَجَّن، فاستدل بها على الكُديَةِ (¬2) والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله ولا منقصة عليه فقال:
فإنَّ رُددت فما بالردِّ منقَصَةٌ ... عليك قد رُدَّ موسى قبل والخضر
وهذا لعبٌ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيين، فهي: شنشنة أدبية وهفوة سخافية، ويرحم الله السَّلف الصالح فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك.
وقوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}، الجدار: الحائط. وينقض: يسقط. ووصفه بالإرادة مجاز مستعمل، وقد فسره في الحديث بقوله: يقول: مائل فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، ومما يدلّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته، قول الشاعر:
يُريد الرُّمح صَدرَ أبي بَراءٍ ... ويَرغَبُ عن دِماء بَنِي عَقِيل
وقال آخر:
إنَّ دَهرًا يَلُفُّ شَملِي بِسَلمى (¬3) ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ
¬__________
(¬1) رواه أحمد (4/ 149)، والبخاري (2461)، ومسلم (1727)، وأبو داود (3752)، والترمذي (1589)، وابن ماجه (3676).
(¬2) الكُدْية: حرفة السائل المُلِحِّ (الشِّحاذة).
(¬3) في اللسان والصحاح: بجُمْل.