كتاب قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان (اسم الجزء: 6)
ذلك أقصى غاياته، طوّف قطعة من بلاد العجم، وحظي بقوله من ملوكها بأوفر القسم.
ثم هاجر إلى البلاد الشامية، ومنها إلى الديار المصرية، مستمطراً سحاب جود ملوكها وأمرائها، ومنتجعاً /53 أ/ بقوله ندى صدورها.
لقيته في شوال سنة خمس وعشرين وستمائة، بمحروسة إربل. وافاها صحبة فلك الدين بن المسيري، وهو متوجه معه نحو مدينة السلام، ثم لقيته مرة أخرى بإربل سنة ثلاث وثلاثين؛ فأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي –رحمه الله-: [من الكامل]
لا ترجني للَّهو واللَّذَّات ... واستبقني وقفاً على الحسرات
الحبُّ أحكم في قلوب بني الهوى ... بتقلُّب الحركات والسَّكنات
حكم التَّفرُّق أن أبيت مسهَّدًا ... قرح الجفون مرقرق العبرات
يا شيم برق الشَّرق هجت لمهجتي ... أسفاً ورعت جموعنا بشتات
أحدثت لي ظمأ الفؤاد وريًّه ... من ماء دجلة أو من الدَّرجات
زدني بومضك جنَّةً أدنى بها ... أمد الدُّمى وزيارة الدَّمنات
فلكم لنا في واسطٍ من مألفٍ ... أمست معارف آيه نكرات
يا مجمع اللَّذَّات هل لزماننا ... من رجعة يا مجمع اللَّذَّات
أيَّام يدعوني الهوى فيقودني ... طوعاً إليه تعرُّض الظَّبيات
من كلِّ من لعب الصِّبا بقوامها ... لعب الصَّبا بمهفهف البانات
/53 ب/ لولا مواثقها الَّتي أوثقتني ... لم اغترب متقسِّم العزمات
ولما رأيت الفوز قطع مفاوزٍ ... وارتحت بالرَّوحات والغداوات
إنَّ الَّتي نظرت إليك أظنُّها ... رمت الفؤاد بأسهم النظرات
كحلت جفونك بالسُّهاد مراض أجـ ... ـــفان لها بالسِّحر مكتحلات
ريميَّة اللَّفتات في تركيَّة اللَّـ ... ـــــحظات من عربيَّة النُّطقات
حجبت حواجبها كراك فنقَّطت ... عيناك ما عرَّقن من نوبات
لم أنس يوم وداعها وتأمُّلي ... مقلاً بماء جفونها شرقات
والبين يظهر ما تجنُّ صدورنا ... من فيض أنفسنا على الوجنات
لا تنكروا تصفير لونٍ مقطِّرٍ ... عبراته بتصعُّد الزَّفرات