كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 100 """"""
إن يعقوب عليه السلام لما قدم مصر بأهله وولده ، خرج يوسف عليه السلام في وجوه أهل مصر فتلقاه وأدخله على الملك ؛ وكان يعقوب عليه السلام مهيباً جميلاً فقربه الملك وعظمه وقال له : يا شيخ ، كم سنوك وما صناعتك وما تعبد ؟ فقال : أما سني فعشرون ومائة سنة ، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها وننتفع بها ، وأما الذي أعبد فرب العالمين ، وهو الذي خلقني وخلقك ، وهو إله آبائي وإلهك وإله كل شيء .
قال : وكان في مجلس فنيامين ، وهو كاهن جليل القدر ، فلما سمع كلام يعقوب ضاق به ذرعاً وقال للملك بلغتهم : أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا . فقال له الملك : فأني لنا خبرة ، فقال الكاهن : أرنا إلهك أيها الشيخ . قال : إلهي أعظم من أن يرى . قال : فإنا نحن نرى آلهتنا . قال : لأن آلهتكم ذهب وفضة ونحاس وخشب ، وما يعمله بنو آدم عبيد إلهي الذي احتجب عن خلقه بعز ربوبيته ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم . قال له فنيامين : إن لكل شيء دليلاً ، وكل شيء لا تراه العيون فليس بشيء ، فغضب يعقوب وقال : كذبت يا عدو الله وطغيت في هذه الدنيا ؛ إن الله سبحانه وتعالى شيء وليس كالأشياء ، وهو خالق كل شيء لا إله إلا هو . قال : فصفه لنا . قال : إنما يوصف المخلوقون ولا يوصف الخالق عز وجل ؛ لأنه يرتفع عن الصفات ؛ لأنه واحد ثديم مدبر للأشياء في كل مكان يرى ولا يرى . ثم قام يعقوب مغضباً ، فأجلسه الملك وأمر فنيامين أن يكف عنه ويكون بين يديه ، ويأخذ في غير هذا . ثم قال الملك : كم عدة من دخل معك إلى مصر ؟ قال ستون رجلاً . قال الكاهن : كذلك نجده في كتبنا ؛ إن خراب مصر يجري على أيديهم . قال الملك : فهل يكون في أيامنا ؟ قال : لا ، ولا إلى مدة كبيرة . والصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحداً . قال الملك : إن كان الأمر كما تقول فما يمكننا أن ندفعه ولا نقتل هؤلاء ، وإن لهم إلهاً عظيماً ، وقد قبل قلبي هذا الشيخ ، ومالي إلى قتله من سبيل ، فخاطبه بألين الكلام ؛ فجرت بينهما بعد ذلك مخاطبات ألان له فيها القول .
قال : ثم إن يعقوب عليه السلام أحب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وكيف بنيت وخبر طلسماتها وعجائبها . فسأله عن ذلك بحق الملك ألا يكتمه شيئاً من أمرها فأخبره . قال : وأقام يعقوب عليه السلام مع الريان بن الوليد الملك يعظمه ويتجله إلى أن حضرته الوفاة ، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشأم ، فحمل في تابوت وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه مصر حتى بلغ إلى موضعه ورجعوا . وقيل إن عيصو منعهم من دفنه هناك لأن إسحاف عليه السلام كان قد وهبه الموضع فاشتراه يوسف عليه السلام منه . ويقال : إن الريان آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفاً من فساد ملكه .