كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 102 """"""
قال : ثم زاد دارم في التجبر إلى أن اختلع كل امرأة جميلة بمدينة منف من أهلها ؛ ولا يسمع بأمرأة حسناء في ناحية من النواحي إلا وجه فحملت إليه . وفشا ذلك في المملكة واضطراب الناس من فعله وشق عليهم أمره إلى أن شغبوا عليه وعطلوا الصنائع والأعمال والأسواق فعدا على جماعة منهم فقتلهم . وزاد الأمر حتى اجتمعوا على خلعه ، فخاف بلاطس أن يفسد أمر المملكة فدخل على الملك وأشار عليه أن يتودد إلى الناس ويعتذر إليهم ويرد نساءهم فأبى إلا مخالفته ، وهم أن يخرج إلى الناس في خاصته ويقتل منهم وقال : إنما هم عبيدي وعبيد آبائي .
فلم يزل يرفق به إلى أن سكن غضبه ؛ فأمره أن يعتذر إلى الناس عنه ، ففعل الوزير ذلك وذكر عنه جميلاً ، فأبى الناس أن يقبلوا منه دون مخاطبتهم الملك فضمن لهم ذلك وخاطبه وأشار به عليه ، فأمره أن ينادي في الناس بالحضور في يوم عينه ، ثم لبس ارفع ثيابه وأكبر تيجانه ودخل الناس عليه فذكروا ما حل بهم من اخذ أموالهم ، وعرفوه أنه لم يجر عليهن من ملك قبله مثل هذا ، فاعتذر إليهم ووعدهم الإقلاع عما شكوا منه وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين .
ثم أمر بعمل قصر من خشب على أساطين خشب ممدودة بأضلاع مسمرة يتنزه فيه ، فعمل ودهن بالأدهان والأصباغ الملونة المذهبة ، وضبب بالفضة والنحاس المذهب ، وعمل فوقه قبة من الفضة المذهبة مصورة بالزجاج الملون وعلق فيها الحجر المضيء الذي أتى به أبوه من المغرب . فلما فرغ القصر فرشه بأحسن الفرش وجعله طبقتين : طبقة له يجلس فيها مع من يحبه ، وطبقة لحشمه ، وجعل حول ذلك أروقة ملصقة بالمجلس يجلس فيها من يريد ؛ فكان يركب فيه بمن احبه من خاصته ونسائه ويصعد فيه في الماء إلى ناحية الصعيد وتتبعه المراكب فيها أصحابه وغلمانه بالعدد والسلاح وينحدر إلى أسفل الأرض ، فإذا مر بمكان يستحسنه أقام فيه أياماً .
واتفق أنه خرج في بعض الأيام مصعداً فوثب رجل من الإسرائيلين على رجل من سدنة الهياكل فضربه حتى أدماه وعاب دين الكهنة ، فغضب القبط لذلك وخاطبوا خليفة الملك أن يخرجهم من مصر فامتنع دون مشاورة الملك ، وكتب إليه يعرفه

الصفحة 102