كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 103 """"""
ذلك ، فكتب إليه ألا يحدث في القوم حادثة دون موافاته ، فشغبوا وأجمعوا على خلعه وتمليك غيره ، وتعرض بعضهم إلى ذكر الملك فحشد أهل الصعيد وانحدر إليهم ، فحاربوه فهلك بينهم خلق كثير . وعاونته امرأة أبيه ، وكانت ساحرة ، فأظهرت من سحرها وتخاييلها ودخنها ما أعماهم عن النظر ، أضعف حواسهم وأسكرهم ، فقتل خلقاً منهم وصلب خلقاً على عبر النيل ، ورجع إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء ونهب الأموال واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بني إسرائيل ؛ فأجمع الكل على ذمه . وكانت الساحرة لا تخليه من معونتها إلى أن ركب في ذلك القصر في بعض الليالي وقد أحذق النيل بالبلد ، وهو من الجبل إلى الجبل ، وامتد القمر على الماء ، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه ، فركب مركباً لطيفاً مع ثلاثة من خدمه والساحرة ، فلما توسط البحر هاجت ريح عاصف فغرق هو ومن معه ، وأصبح الناس شاكين في أمره ما نزل له ، إلى أن وجدت جثته بسطنوف فعرف بخاتمه وبجوهر كان يتقلد به فحمل إلى منف .
وملك بعده ابنه معاديوس بن دريموس ؛ ويسميه أهل الأثر معدان ابن دارم ، وهو الفرعون الخامس ، وذلك بتدبير الوزير ؛ فأجلسه على سرير الملك وبايعه الجيس ، وكان صبياً فكرهه الناس ثم رضوا به ، فأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه ، وزادهم سنة وأحسن إليهم فأطاعوه ؛ واستقام له الأمر ورد نساءهم . وكان ينكر على أبيه فعله ولا يرضاه ؛ فلذلك رضوا به . قال : وفي زمانه كان طوفان أضر ببعض البلد فلزم الملك الإقبال على الهياكل والتعبد ، وطلب القاطر ووجوه الكهنة بالحضور معه ، وأنصف بعض الناس من بعض . وكثر بنو إسرائيل وعابوا الأصنام وثلبوها . وكان الوزير قد هلك فاستوزر كاهناً يقال له املاده ، فلما رأى ما فعله بنو إسرائيل أنكره وأمر أن يفردوا بناحية من البلد لا