كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 105 """"""
باستنباط العمارات وإظهار الصناعات ، ووسع على الناس في أرزاقهم وعلى حاشيته وحاشية أبيه ، وأمر بتنظيف الهياكل وتجديد لباسها ووانيها ، وزاد في القرابين ؛ وكلما أتى شيئاً من ذلك لم تخالفه الكهنة وقدروا أن ذلك عن أمر أبيه برضى الكواكب ، واحتجب أبوه عن الناس . وأقام كاسم أعلاماً كثيرة حول منف وجعل عليها أساطين يمر عليها من بعضها إلى بعض .
وعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد واسفل الأرض مدناً كثيرة وأعلاماً ومناثر للوقود والطلسمات . وعمل من الفضة على عمل البيضة الفلكية ونقش عليها صور الكواكب الثابتة ودهنها بدهن الصيني وركبها على منار في وسط منف . وعمل في هيكل أبيه روحاني زحل من ذهب اسود مدبر . وعمل في وقته الميزان الذي يعتبر به الناس ، وجعلت كفتاه من ذهب وعلائقه من فضة وخيوطه سلاسل ذهب ، وكان معلقاً في هيكل الشمس ، وكتب على إحدى كفتيه حق ، والأخرى باطل ، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء كل شيء من الكواكب ؛ فيدخل الظالم والمظلوم ويأخذ كل واحد منهما فصاً من تلك الفصوص ويسمي عليها ما يريد ، ويجعل أحد الفصين في كفه والآخر في الأخرى ، فتثقل كفة الظالم وترتفع كفة المظلوم . وكذلك من أراد سفراً أخذ فصين فذكر على واحد اسم السفر ، والآخر اسم الجلوس ، ويجعل كل واحد في كفه ، فغن لم يرتفع أحدهما على الآخر جلس ، وإن ارتفعا خرج ، وإن ارتفع أحدهما مكث شهراً . ومن نحو هذا من غائب ودين وفساد وصلاح . ويقال إن بختنصر لما ظفر بمصر حمله في جملة ما حمل إلى بابل وجعله في بيت من بيوت النار . قال : وطالب كاسم الناس بلزوم الأعمال وإظهار الصنائع ، فعملت كل غريبة منها : التنور الذي يشوى من غير نار فيه ، والقدور التي يطبخ فيها من غير نار ، والسكين التي تنصب فإذا رآها شيء من البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها ، والماء الذي يستحيل ناراً ، والزجاج الذي يستحيل هواء ، وأشياء من ذلك .
قال : فأقام في أول ولايته ثلاث سنين بأجمل أمر واصلح حال ، ومات وزير أبيه الذي كان معه فاستخلف رجلاً من أهل بيت المملكة يقال له طلما ، وكان شجاعاً فارساً كاهناً حكيماً متصرفاً في كل فن ، وكانت نفسه تنازعه الملك فصلح أمر المملكة بمكانه وأحبه الناس ، فعمل معالم كثيرة وعمر خراباً وبنى مدناً من الجانبين . ورأى في نجومه أن ستكون شدة فاستعمل ما استعمله نهراوش ، وبنى