كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 108 """"""
قال : وكان طلما فيما زعموا قصيراً . قيل : كان طوله أربعة أشبار ، طويل اللحية ، أشهل العينين ، صغير العين اليسرى ، في جبينه شامة . ويقولون : إنه كان أعرج . وزعم قوم أنه من القبط . قال : والدليل على ذلك سيله إليهم ونكاحه فيهم ؛ ونسب أهل بيته مشهور عندهم .
وقد اختلف الناس في سبب ملكه وعمن تلقى الملك ، فقيل ما ذكرناه وقيل ما قدمناه في قصة موسى بن عمران عليه السلام ، والله تعالى أعلم .
قال : ولما جلس طلما على سرير الملك اضطرب الناس عليه فبذل الأموال وأرغب من أطاعه ، وقتل من خالفه ، فاعتدل الأمر له . وكان أول ما عمل أن رتب المراتب ، وشيد الأعلام ، ونى المدن ، وخندق الخنادق ، وعمل بناحية العريش حصناً ، وكذلك على حدود مصر ، واستخلف هامان ، وكان يقرب منه في نفسه ونسبه ، فأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدن والعمارات ، وحفر خلجاناً كثيرة . ويقال : إنه الذي حفر خليج السردوس ، وكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالاً ؛ فاجتمع له من ذلك شيء كثير ، فأمر برده على أهله .
وانتهى الخراج في وقته إلى سبعة وتسعين ألف ألف دينار ، وكان يغزل الناس على مراتبهم . وهو أول من عرف العرفاء على الناس ، وكان ممن صحبه من الإسرائيليين رجل يقال له امرئ ، وهو عمران أبو موسى عليه السلام ، وهو أخو مزاحم لأبويه ، ومزاحم أبو آسية ، فهي ابنة عم موسى وبنت خالته ، فجعل فرعون عمران حارساً لقصره يتولى حفظه وفتحه وإغلاقه . وكان رأى في كهانته أن هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين ، فمنعهم المناكحة ثلاث سنين ؛ لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها . ثم كان من خبر موسى في حمل أمه به وولادته وغير ذلك من أمره ما قدمنا ذكره في قصة موسى عليه السلام فلا فائدة في إعادته .