كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 124 """"""
الأخر أنهم قد أحاطوا بفراسياب ، وبرز فراسياب ومن بقي من ولده وعساكره وتوجه نحو كيخسرو بجيوش عظيمة ، فيقال إن كيخسرو أشفق منه وهابه حتى ظن أنه لا قبل له به ، ودام القتال بين العسكرين أربعة أيام ، فقتل شيده مقدم عسكر فراسياب ، وكانت هذه الحرب معه ، ثم أقبل فراسياب في جمع عظيم من الأتراك والتقى هو وكيخسرو ونشبت بينهما حروب عظيمة يقال إنه لم ير مثلها قبلها قط على وجه الأرض ، فكانت الدائرة على الترك ، وانهزم فراسياب وكثر القتل في أصحابه وأتبعه كيخسرو حتى أدركه بأذربيجان فظفر به واستوثق منه بالحديد ووبخه على ما كان منه من قتل سياوخش ، فلم يكن له حجة ، فذبحه ثم انصرف . وقد غنم غنائم عظيمة لا تحصى وأدرك بثأره .
قال : ولما فرغ كيخسرو من أمر الترك ورجع إلى بلاده واستقر بدار ملكه زهد في الملك وتنسك ، وأعلم وجوه أهل بيته وأكبر مملكته أنه قد عزم على التخلي والانفراد وترك الملك ، فجزعوا من ذلك وسألوه ألا يفعل ، فأبى عليهم . فلما أيسوا منه سألوه أن ينصب في الملك من يراه له أهلاً ، فأشار بيده إلى لهراسف وأعلمهم أنه خاصته ووصيته ، فقبل لهراسف ذلك وأقبل الناس عليه . وفقد كيخسرو . فمنهم من يقول : إنه غاب للتنسك ، وبعضهم يقول غير ذلك ، إلا أنه لم تعلم جهة وفاته . قال : وكان ملكه ستين سنة . قال : وفي أيام ملكه كان سليمان بن داود عليه السلام .
ثم ملك بعده لهراسف ؛ وقيل فيه بهراسف بن تنوفي بن كيمش وهو ابن أخي كيقابوس ويلقب بكى لهراسف . قال : ولما ملك اتخذ سريراً من ذهب مكللاً بالجوهر للجلوس عليه ، وبنيت له بأرض خراسان مدينة ، وسماها بلخ الحسناء .
قال : وهو أول من دون الدواوين ، وقوى ملكه بانتخاب الجنود ، وعمر الأرض . وكانت شوكة الأتراك اشتدت في زمانه ، فنزل بلخ لمقاتلتهم ، ووجه بختنصر أصبهبذاً ما بين الأهواز إلى أرض الروم ، من غربي الفرات . وسنذكر أخباره إذا انتهت أخبار لهراسف .