كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 127 """"""
واشتغل بالعبادة ، وهادن كي خرزاسف بن كي سواسف ابن أخي فراسياب ملك الترك على ضروب من الصلح ، وفي جملة شريطة الصلح ألا يكون ببلاد خرزاسف دابة موقوفة في منزلة الدواب التي تكون على أبواب الملوك ، وغير ذلك مما وقعت عليه المهادنة . فأشار زرادشت على بشتاسف بنقض الهدنة ومفاسدة ملك الترك ، فبلغ ملك الترك ذلك ، فغضب وكتب إليه كتاباً غليظاً من جملته أن يوجه إليه زرادشت ، وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته ؛ فأجابه بشتاسف بجواب أغلظ من كتابه وآذنه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك هو . فسار كل منهما إلى الآخر ، ومع كل واحد منهما إخوته وأهل بيته ، والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً ، فكانت الدائرة على الترك ، وقتل اسفنديار بن بشتاسف بيدرفش الساحر مبارزة ؛ وقتلت الترك قتلاً ذريعاً ، وهرب ملكهم خرزاسف ورجع بشتاسف إلى بلخ . قال : فلما مضت لتلك الحرب سنون سعى رجل يقال فروخ بإسفنديار إلى بشتاسف ونسبه أنه تطاول للملك ، وزعم أنه أحق به ، فأفسد بذلك قلب بشتاسف عليه ، وصدق مقالة فروخ ، فأخذ في التدبير على إسفنديار وجعل يرسله إلى حرب بعد حرب ، وهو يظفر وينجح ويرجع بالغنائم ، ثم أمر بتقييده فقيد ، وصيره في الحبس في حصن من حصونه ، وسار بشتاسف إلى جبل يقال له طميدر لدراسة دينه والتنسك هناك ، وخلف أباه لهراسف في مدينة بلخ ، وقد كبرت سنة وهرم وعجز .
قال : فاتصل هذا الخبر بخرزاسف ملك الترك ، فجمع من الجنود ما لا يحصى كثرة ، وشخص من بلاده نحو بلخ حتى إذا انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهر مز أخيه ، وكان مرشحاً للملك ، في جماعة كثيرة من المقاتلة ، وأمرهم أن يغذوا السير حتى يتوسطوا المملكة ، ثم يواقعوا بأهلها ويشنوا الغارة على المدن والقرى . ففعل جوهرمز ذلك وسفك الدماء واستباح الحرم ، وسبى ما لا يحصى ، وأتبعه خرزاسف ملك الترك حتى انتهى إلى مدينة بلخ ، فاحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة ، وهدم بيوت النيران ، واستولى على الأموال والكنوز ، وسبى ابنتين لبشتاسف وأخذ درفس كابيان ، وسار في طلب بشتاسف فتحصن منه في جبل طميدر ؛ فعند ذلك ندم بشتاسف على ما كان منه في حق ابنه إسفنديار ؛ فيقال : إنه وجه من استخرجه من محبسه ، وجاءه به ؛ فلما دخل عليه اعتذر منه ووعده عقد التاج على