كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 129 """"""
ولما مات ملكت بعده ابنته جماز هرازاد ، وهي جماني أم ابنه دارا . قال : وكانت قد حملت منه بدارا الأكبر وسألته أن يعقد التاج للذي في بطنها ويؤثره بالملك ، ففعل أردشير ذلك . وكان ابنه ساسان يتصنع للملك ولا يشك أنه يكون هو الملك بعد أبيه . فلما رأى ما فعل أبوه شق ذلك عليه ، فلحق بإصطخر وتزهد ، وخرج عن حلية الملوك ، واتخذ غنيمة وكان يتولاها بنفسه ، فاستشنع الناس ذلك من فعله وقالوا : صار ساسان راعياً ؛ ولم تزل جماني قائمة بأمر الملك ، ضابطة له ، وأغزت الروم جيشاً بعد جيش وأوتيت ظفراً ، فقمعت الأعداء وشغلتهم من التطرق إلى شيء من بالدها ، ونال رعيتها بتدبيرها رفاهية وأمن إلى أن كبر ابنها .
فملك دارا بن أردشير بهمن . قال : ولما كبر حول للتاج إلى رأسه ونزل بابل . وكان ضابطاً لملكه ، قاهراً لمن حوله من الملوك ، يؤدون إليه الخراج . وابتنى بفارس مدينة وسماها دارا بجرد . ورتب دواب البريد . وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة . وملك بعده ابنه دارا ابن دارا بن أردشير ، وكان دارا هذا حقوداً جباراً ، فمله قومه ، وغزاه الإسكندر بن فيلبس اليوناني ، والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً ، فقتل دارا بن دارا . وسنذكر خبر مقتله في أخبار الإسكندر .
فهؤلاء ملوك الفرس الأول . ثم تبدد ملك الفرس وانتثر لقتل دارا بن دارا ، واستقل الإسكندر بالملك . وملك بعده من نذكره من ملوك اليونان ، وتفرق ملك الفرس أربعمائة سنة إلى أن عاد إلى بني ساسان ، وهأنا ذاكر خبر موك الوائف ما بين دارا بن دارا وأردشير بن بابك .
ذكر أخبار ملوك الطوائف
وملوك الطوائف هم الذين ملكوا بلاد فارس ما بين دارا بن دارا وأردشير ابن بابك الذي جمع ملك الفرس بعد تبدده ، ونظمه بعد انتثاره . وكان من خبرهم أن الإسكندر لما قتل دارا بن دارا وغلب على بلاد الفرس هم بقتل أكابرهم ، فكتب إلى معلمه أرسطاطاليس يستشيره في ذلك ، فنهاه عن قتلهم وقال : هذا من الفساد في الأرض ، وإذا قتلتهم أنبتت أرض بابل أمثالهم ؛ وأشار عليه أن يفرق المملكة بين أولاد الملوك ، فإنهم يتنافسون الملك فلا يجتمعون على ملك واحد منهم ، فمتى خالفك واحد كانت مؤنته عليك خفيفة ؛ ففعل ذلك ، وفرق الملك حتى أمكنه أن