كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 134 """"""
زاد في شرعهم الذي شرعه لهم زرادشت ، فقتل بهرام هذا مانياً وصلبه على باب من أبواب مدينة من مدنه بالعراق ؛ فيدعى ذلك الباب إلى آخر وقت باب ماني ، وكانت مدة ملك بهرام ثلاثاً وثلاثين سنة وثلاثة اشهر .
ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام . قال : ولما ملك أقبل في أول ملكه على اللهو والصيد والنزه ، وترك ملكه لا يفكر فيه ولا في رعيته ، فخربت البلاد ونقصت بيوت الأموال . فلما كان في بعض الأحيان ركب إلى بعض متنزهاته وصيده فجنه الليل وهو يسير نحو المدائن ، وكانت ليلة قمراء . فدعا بالموبذ لأمر خطر بباله ، والموبذ عند المجوس كالقسيس عند النصارى ، فجعل يحادثه فتوسطا في مسيرهم بين خرابات كانت من أمهات الضياع فخربت في ملكه ، وإذا بوم يصيح وآخر يجاوبه ، فقال الملك : أترى أحداً من الناس أعطي فهم ما يقول هذا الطائر ؟ فقال الموبذ : أنا أيها الملك ممن خصه الله تعالى بذلك . قال : فما يقول هذا الطائر ، وما يقول الآخر ؟ فقال الموبذ : هذا بوم ذكر يخاطب بومة أنثى ويقول : متعيني من نفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون الله تعالى . فأجابته البومة : إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر ، والنصيب الأوفر ، إلا أنني أشترط عليك شرائط . فقال : وما هي ؟ فقالت : أن تقطعني من خرابات أمهات الديار عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك السعيد . فقال له الملك : فما الذي قال الذكر ؟ قال الموبذ : كان من قوله لها : إن دامت أيام هذا الملك السعيد أقطعتك منها ألف قرية ، فما تصنعين بها ؟ قالت : في اجتماعنا ظهور النسل وكثرة الولد ، فنقطع كل واحد من الأولاد ضيعة . فقال الذكر : هذا سهل ما حيي الملك .
فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذ عمل في نفسه وفكر فيما خوطب به ، فنزل من ساعته وخلا بالموبذ وقال له : ما هذا الكلام الذي خاطبتني به ؟ فقد حركت مني ما كان ساكناً . فقال : صادفت من الملك وقت سعد بالعباد والبلاد ، فجعلت الكلام مثلاً وموقظاً على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي . فقال له الملك : أيها الناصح للملك ، المنبه على ما أغفله من أمور ملكه ، وأضاعه من أمور بلاده ورعيته ، اكشف لي عن هذا الغرض ما المراد منه . فقال له : أيها الملك إن الملك لا يتم إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ، ولا قوام للشريعة إلا بالملك ، ولا عز للملك إلا

الصفحة 134