كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 136 """"""
قال : وكان قد شاع في الممالك أن ملك الفرس صغير السن ، وأنه يتدبر برأي وزرائه ، ولا يدري ما يراد منه ، ولا ما يكون من الأمر ، فطمع في مملكة الفرس الترك والروم والعرب . وكانت أدنى بلاد الأعداء إلى الفرس بلاد العرب . وكانت العرب من أحوج الأمم إلى تناول شيء من المعاش لسوء حالهم وشظف عيشهم ، فانبسطت أيديهم في البلاد وغلبوا أهلها عليها واتسعت حالهم وكثرت مواشيهم ، وأفسدوا في بلاد فارس ، ومكثوا كذلك حيناً ، وقد أمنوا جانب الفرس واطمأنوا من قتالهم لقلة هيبتهم . وكان الذي غلب على سواد العراق من العرب جمرة العرب ولد إياد بن نزار . وكان يقال لها طبق لإطباقها على البلاد ، وملكها يومئذ الحارث بن الإر الإيادي . قال : ولما ترعرع سابور جعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود الذين في الثغور ، وأن الأخبار وردت عليهم أن أكثرهم قد أخل ، عظموا عليه الأمر وهولوه ، فقال لهم : لا يهولنكنم ذلك ، فالخطب فيه غير جسيم ، والحيلة في ذلك يسيرة . وأمر الكتاب أن يكتبوا إلى أولئك الجنود أنه قد انتهى إلى طول مكثكم في النواحي التي أنتم فيها ، وعظم عنائكم وذبكم عن إخوانكم وأوليائكم ، فمن أحب منكم الانصراف إلى أهله فلينصرف مأذوناً له في ذلك ، ومن أحب أ ، يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرفنا له ذلك ؛ وتقدم إلى من اختار الانصراف منهم بلزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه . فلما سمع الوزراء قوله ورأيه استحسنوه وقالوا : لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود ما زاد على ما سمعناه . ثم تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه ؛ حتى إذا تمت له ست عشرة سنة جمع أسورته وأمرهم بالاستعداد لقتال العرب . وكانت إياد تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق . وكان في جيش سابور رجل منهم يقال له لقيط ، فكتب إلى إياد شعراً بنذرهم وهو :
سلام في الصحيفة من لقيط . . . إلى من بالجزيرة من غياد
بأن الليث آتيكم دليفاً . . . فلا يحبسكم سوق النقاد
أتام منهم سبعون ألفاً . . . يزجون الكتائب كالجراد