كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 137 """"""
فلم يعبئوا بكتابه ، وسراياهم تكر نحو العراق وتغير على السواد . فلما تجهز القوم نحوهم ظفر بهم سابور فعمهم بالقتل ، وما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض وبار ، وخلع سابور أكتاف كثير منهم ، فلذلك سمي ذا الأكتاف . وكان سابور في مسيره أتى البحرين وفيها بنو تميم فهربوا ، وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مرة وعمره ثلثمائة سنة ، وكان يعلق في عمود البيت في قفة ، فأرادوا حمله فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم وقال لهم : أنا هالك اليوم أو غدا فتركوه . فلما صبحت خيل سابور الديار لقوها خالية ، فلما سمع عمرو صهيل الخيل جعل يصيح بصوت ضعيف ، فحمل إلى سابور ، فلما نظر إلى دلائل الهرم ومرور الأيام عليه قال له : من أنت أيها الفاني ؟ قال : أنا عمرو بن تميم بن مرة ، قد بلغت من الكبر ما ترى ، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل ، فآثرت الفناء على يديك ليبقى من بقى من قومي ، ولعل الله يجري على يديك فرجهم ، وأنا سائلك عن أمر إن أذنت فيه ؛ فقال سابور : قل نسمع ؛ فقال ماالذي حملك على قتل رعيتك من رجال العرب ؟ فقال سابور : أقتلهم لما ارتكبوا في بالدي وأهل مملكتي ؛ فقال عمرو : فعلوا ذلك ولست بقيم عليهم ؛ فلما ملكت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك ؛ قال سابور : وأقتلهم لأنا نجد في مخزون علمنا وما سلف من أبناء أوائلنا أن العرب ستدال علينا . فقال عمرو : هذا أمر تظنه أم تتحققه ؟ قال : بل أتحققه ولا بد أن يكون ؛ فقال عمرو : فلم تسيء إليها ؟ والله لئن تبقي عليها وتحسن إليها ليكافئون قومك عند إدالة الدولة إليهم بإحسانك ، وإن أنت طالت بك المدة كافئوك عند مصير الأمر إليهم إن كان حقاً ، وإن كان باطلاً فلم تتعجل الإثم وتسفك دماء رعيتك ؟ فقال سابور : الأمر صحيح والحق ما قلت ، ولقد صدقت في القول ونصحت . فنادى منادي سابور بأمان الناس ورفع السيف . ويقال إن عمرا بقي بعد هذا الوقت ثمانين سنة .
ثم سار سابور إلى أرض الروم ففتح المدن وقتل خلائق من الروم وقال لمن معه : إني أريد أن أدخل بلاد الروم متنكراً لأتعرف أحوالهم وسيرهم ومسالك بلادهم ، فإذا بلغت من ذلك حاجتي انصرفت إلى بلدي فسرت إليهم بالجنود ؛ فحذروه التغرير بنفسه فلم يقبل قولهم . وسار متنكراً إلى أرض القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر