كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
اجتمع فيها الخاص والعام ، فدخل في جملتهم وجلس على بعض موائدهم ، وقد كان قيصر أمر مصوراً أتى عسكر سابور فصوره وجاء إلى قيصر بالصورة ، فأمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة ، وأتى بعض من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس ، فنظر بعض الخدم إلى الصورة التي على الكأس ، وسابور مقابل له ، فانطبعت مثالاً لصورة سابور ، فقام إلى الملك فأخبره ، فمثل بين يدي الملك ، فسأله عن خبره فقال : أنا من أساورة سابور وهربت منه لأمر خفته منه . فلم يقبل ذلك منه ، وقدم إلى السيف فأقر بنفسه ، فجعل في جلد بقرة ، وسار قيصر في جنود حتى توسط العراق ، فافتتح المدن ، وشن الغارات ، وعقر النخل ، وانتهى إلى مدينة نيسابور ، وقد تحصن بها وجوه فارس ، فنزل عليها وحضر عيداً للنصارى فأغفل الموكلون بسابور أمره ، وأخذ منهم الشراب ، وكان بالقرب من سابور أساري من الفرس ، فراطنهم بالفارسية أن يحل بعضهم بعضاً ، وأمرهم أن يصبوا عليه زقاق الزيت ففعلوا ، فلان عليه الجلد وتخلص ، وأتى المدينة فراطنهم فرفعوه بالحبال ، ففتح خزائن السلاح وخرج على الروم فكبس جيشهم عند ضرب النواقيس ، فانهزم الروم ، وأتى بقيصر أسيراً ، فأبقى عليه وضم إليه من اسر من أصحابه ، وأخذهم بغرس الزيتون بالعراق بدلاً من النخل التي عقروها ؛ ولم يكن الزيتون بالعراق قبل ذلك . وفي فعل سابور ودخوله إلى أرض الروم يقول بعض شعراء الفرس :
وكان سابور صفوا في أرومته . . . اختير منها فأضحى خير مختار
إذ كان بالروم جاسوساً يجول بها . . . حوم المنية من ذي كيد مكار
فتسأسروه ، وكانت كبوة عجباً . . . وزلة سبقت من غير عثار
وأصبح الملك الرومي مغترباً . . . أرض العراق على هول وأخطار
فراطن الفرس بالأبواب فافترقوا . . . كما تجاوب أسد الغاب بالغار
فجذ بالسيف أصل الروم فامتحقوا . . . لله درك من طلاب أوتار إذ يغرسون من الزيتون ما عضدوا . . . من النخيل وما حفوا بمنشار

الصفحة 138