كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 140 """"""
أوتيه في الدهاء والحيل ، واستخف بكل علم كان من عند الناس ، واحتقر آدابهم وتعاظم عليهم واستطال بما عنده . وكان معجباً بنفسه سيء الخلق ، حتى بلغ من شدته وحدته انه كان يستعظم صغار الزلات ، ولا يرضى في عقوبتها إلا بما لا يستطاع .
وكان لا يقدر أحد من بطانته - وإن كان لطيف المنزلة منه - أن يشفع عنده لمن ابتلى به وإن كان ذنب المبتلى به يسيراً ، ولم يكن يأتمن أحداً على شيء ألبتة ، ولا يكافئ على حسن البلاء ، وكان يعتد بالخسيس من المعروف إذا أولاه ويستجزل ذلك ، فإن جسر على كلامه أحد في أمر قال له : ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه ، وماالذي بذل لك بسببه ؟ وما أشبه ذلك . فلما اشتدت بلية الناس به ، وكثرت إهانته للعظماء ، وأكثر من سفك الدماء ، واستعمل الضعفاء في الأعمال الشاقة وحملهم ما لا طاقة لهم به ، تضرعوا إلى الله عز وجل وسألوه أن ينقذهم منه . فزعم الفرس أنه كان ذات يوم مطلعاً من قصره غذ رأى فرساً عائراً لم ير مثله قط في الخيل من حسن الصورة وتمام الخلقة حتى وقف على بابه ، فتعجب الناس من ذلك ، فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه به ، فحاول السواس وأصحاب المراكيب أن يلجموه أو يسرجوه فعجزوا عن ذلك ، ولا مكنهم الفرس من نفسه ، فخرج يزدجرد بنفسه إلى الفرس وتقدم إليه وأسرجه وألجمه ولببه وهو لم يتحرك ، فلما استدار ورفع ذنبه ليثفره رمحه الفرس على فؤاده رمحة فهلك منها لساعته ، ثم لم يعاين الفرس بعد ذلك ؛ فأكثرت الفرس في حديثه فظنوا الظنون . وكان أحسنهم مذهباً أمثلهم طريقه من قال : إنما استجاب الله عز وجل دعاءنا . فكان ملكه إلى أن هلك إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً . وقيل اثنتين وعشرين سنة غير شهرين .
قال : وكان ابنه بهرام جور في حجر النعمان بن المنذر بن ماء السماء أسلمه أبوه إليه ليربيه بالحيرة لصحة هوائها . وقد تقدم خبره في ذكر بناء الخورنق