كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 141 """"""
والسدير .
فعدل الفرس عنه لسوء أثر يزدجرد فيهم وملك عليهم كسرى ، وهو رجل من عترة ساسان ، فاستعان بهرام جور بالعرب وأرسل إلى الفرس وأعلمهم إنكارة سيرة أبيه ، ووعدهم بإصلاح ما فسد ، وأنه مضى لملكه سنة ولم يف لهم بما بذل تبرأ من الملك طائعاً ، فمال إليه قوم وبقيت طائفة مع كسرى ، فتراضوا أو يوضع تاج الملك بين أسدين مشبلين فمن تناوله فهو الملك . وكان بهرام جور شجاعاً بطلاً ، فلما وقف هو وكشرى وعصر جنبيه بفخذيه ، فلام تمكن منه قبض على أذنيه ، ولم يزل يضرب راس الأسد براس الآخر حتى قتلهما . فكان كسرى أول من هتف به وأذعن له . فملك بهرام جور بن يزدجرد ؛ فأحسن السيرة ، وجلس سبعة أيام متوالية للجند والرعية ، يعدهم الخير من نفسه ويحضهم على تقوى الله وطاعته . وكان جلوسه على سرير الملك وهو ابن عشرين سنة ، فغبر زماناً وهو يحسن السيرة ، ويعمر البلاد ، ويدر الأرزاق ، ثم آثر اللهو على ذلك وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي حتى كثرت عليه الملامة من أرباب دولته ، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على ملكه . وكان أول من سبق إلى مغالبته ومكاثرته خاقان ملك الترك ، وغزاه في مائتي ألف وخمسين ألفاً من الأتراك ، فبلغ الفرس إقبال الترك في هذه الجموع العظيمة فهالهم ذلك ، ودخل على بهرام جور جماعة من عظماء الفرس وأهل الرأي والنجدة وقالوا : أيها الملك ، قد أرهقك من بائقة عدوك ما يشغلك عما أنت فيه من اللهو والتلذذ ، فتأهب له لئلا يلحقك منه أمر يلزمك فيه مسة وعار . وكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه يجيب القوم بأن يقول : الله ربنا قوي ونحن أولياؤه . ثم يقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد .
قال : ثم اظهر بهرام جور التجهز إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها ، ويتوجه منها إلى أرمينية ويتصيد في آجامها ، وسار في سبعة رهط من عظماء الفرس وأهل البيوتات . وثلثمائة رجل من رابطته ذوي باس وشدة ونجدة ، واستخلف أخاً له يقال له نرسي على ملكه ، فما شك الناس - لما بلغهم ذلك - أنه هرب من خاقان ، فتآمر الفرس في مراسلة خاقان والانقياد إلى طاعته والإقرار له بالخراج ؛ فخافة منه أن