كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 144 """"""
وحكى عنه في صغره ما يدل على نباهته ، وجودة فكرته وجميل رأيه . فمن ذلك أنه قال للنعمان بن المنذر لما بلغ خمس سنين : أحضر لي مؤدبين ليعلموني الكتابة والفقه والرمي والفروسية . فقال له المنذر : إنك بعد صغير السن ، ولم يأن لك ذلك بعد . فقال له بهرام : أما تعلم أيها الرجل أني من ولد الملوك ، وأن الملك صائر إلي ، وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم ؛ لأنه زين لهم وركن ، وبه يعرفون . أما تعلم أن كل ما يتقدم في طلبه ، ينال في وقته ، وما لم يتقدم فيه ويطلب في وقته ، ينال في غير وقته ، وما يفرط فيه وفي طلبه يفوت ولا ينال ؟ عجل علي بما سألتك . فبعث المنذر من ساعته إلى باب الملك من أتاه برهط من المعلمين الفقهاء والرماة ، وجمع له حكماء الروم وفارس وغيرهم ، وألزمهم إياه ، ووقت أوقاتاً لكل منهم ؛ فتعلم بهرام من كل علم أحسنه ، وسمع الحكمة ووعى ما سمع منها ، وثقف كل ما علم بأيسر شيء ، وبلغ أربع عشرة سنة ، وقد فاق معلميه ، وحفظ للنعمان حق التربية ، فملكه على العرب لما صار الملك إليه .
ولما هلك بهرام ملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام جور ؛ فسار بسيرة أبيه ؛ ولم يزل قامعاً لعدوه ، كثير الرفق برعيته . وكان له ابنان أحدهما يسمى هرمز ، والآخر فيروز . ودام ملك يزدجرد تسع عشرة سنة ، وقيل ثماني عشرة سنة وأربعة اشهر وثمانية عشر يوماً ثم هلك . فتغلب على الملك بعده ابنه هرمز بن يزدجرد . ولما ملك هرمز هرب منه فيروز ولحق ببلاد الهياطلة ، وأخبر ملكها بقصته وقصة أخيه هرمز ، وذكر أنه أحق منه بالملك ، وسأله أن يمده بجيش يقاتل به أخاه ، فأبى عليه ملك الهياطلة وقال : سأعلم خبره ثم آمرك بعد ذلك بما تفعل . وكشف ملك الهياطلة عن خبر هرمز وتعرف أحواله فبلغه أنه غشوم ظلوم ؛ فقال عند ذلك : إن الجور لا يرضاه الله تعالى ، ولا يصلح عليه الملك ، ولا تقوم به سياسته ؛ وأمد فيروز بالعساكر ودفع له الطالقان ؛ فأقبل فيروز من عنده بجيش طخارستان وطوائف خراسان ، فظفر بأخيه فحبسه .