كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
وملك فيروز بن يزدجرد . ولما ملك أظهر العدل وحسن السيرة ، وكان يتدين إلا أنه كان مشئوماً على رعيته ، فقحط الناس في زمانه سبع سنين ، فأحسن فيها إلى الناس ، وقسم ما في بيوت الأموال . ويقال : إن الأنهار غارت في مدة القحط ، وكذلك القنى والعيون ، وقحلت الأشجار والغياض ، وهلكت الوحوش والطير ، وجاعت الدواب حتى كادت لا تطيق الحمولة ، وعم أهل البلاد الجهد والمجاعة ، فبلغ من حسن سياسة فيروز لهذا الأمر أن كتب إلى جميع الرعية : أنه لا خراج عليكم ولا جزية ولا سحرة ، وانه قد ملكهم أنفسهم ، وأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويصلحهم ، وكتب بإخراج ما في المطامير من الأطعمة وقسمها في الناس ، وترك الاستئثار عنهم وتساوى بهم ، وأخبر أهل الغنى والشرف ، بكل مدينة وقرية ، أنه إن بلغه إنساناً مات جوعاً عاقب أهل تلك المدينة أو الجهة التي يموت بها ، وينكل بهم أشد النكال . فقيل إنه لم يهلك في هذا القحط والمجاعة من رعيته إلا رجل واحد من رستاق .
قال : ثن أغاثه الله فأمطرت السماء ، وجرت الأنهار ونبعت العيون ، وصلحت الأشجار ، وسمنت المواشي ؛ فاستوثق له الملك ، وأخذ في غزو أعدائه وقهرهم . وبنى مدناً إحداها بين جرجان وباب صول وأخرى بناحية أذربيجان .
ثم سار بجنوده نحو خراسان لقصد حرب أخشوار ملك الهياطلة لأشياء كانت في نفسه ولأن الهياطلة كانوا يأتون الذكران ويركبون الفواحش فسار إليهم ؛ فلما بلغ أخشنوار ملك الهياطلة خبره خافه واشتد رعبه منه ، وعلم أنه لا طاقة له به ، وأن جيشه كبير السن من أهل بلاده وقال : أنا أفدي الملك وأهل مملكته ينفسي ، فليأمر الملك بقطع يدي ورجلي ويؤثر في جسدي آثار العقوبة بضرب السياط ، ويلقني في الطريق التي يمر فيروز بها ، ويحسن إلى ولدي وعيالي الذين أخلفهم ؛ ففعل له ذلك وأمر بإلقائه في الطريق . فلما مر به فيروز أنكر حاله ، فأخبره أن أخسنوار فعل به ذلك لأنه أشار عليه بالانقياد إلى

الصفحة 145