كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 146 """"""
طاعة فيروز والإقرار بعبوديته ، وأن يحمل إليه من الأموال والتحف ما يرضيه ؛ فرق له الملك فيروز ورحمه وأمر بحمله معه ، فنهاه أكابر قومه عن تقريبه فلم يرجع إليهم ، ثم قال له ذلك الأقطع كالمتنصح له : أنا أدل الملك على طريق مختصر تدخل منه في مفازة إلى بلاد أخشنوار ، فتصادف غرته ؛ وسأله أن يشفى له منه . فاغتر فيروز بذلك ؛ وأخذ الأقطع بفيروز ومن معه وعدل بهم عن الطريق الجادة وشرع يقطع بهم مفازة بعد مفازة . فلما شكوا العطش مناهم بقرب الماء وقطع المفازة . ولم يزل يتقدم بهم حتى بلغ بهم موضعاً علم أنها لايقدرون فيه على التقدم ولا الرجوع ، فتبين لهم أمره ، فعندها سقط في أيدي القوم وقالوا لفيروز : ألم ننهك عن هذا الرجل فلم تنته ؟ فهلك أكثر أصحابه من العطش ، ومضى على وجهه بمن نجا معه ؛ فوافى أخشنوار وقومه ؛ وهو من نجا معه على سوأ حال ، وقد أجهدهم العطش ، فدعوا أخشنوار إلى الصلح على أن يخلي سبيلهم وينصرفوا إلى بلادهم ، وعاهدوه على ألا يغزوهم أبداً ، فرضي أخشنوار بذلك وحصل اتفاقهما على أن يجعلا بينهما حذاً لا يتجاوزه واحد منهما ، ووضع عند الحد حجر ، وحلفه أخشنوار أنه لا يتجاوز ذلك الحجر ، فحلف له وأخذ عليه العهود والمواثيق وأطلقه أخشنوار ، فعاد فيروز إلى بلاده . فلما سار إلى مملكته داخلته الحمية وحملته الأنفة على محاربة أخشنوار والغدر به ، فنهاه أهل مملكته عن ذلك وقبحوا عليه نقض العهود والمواثيق ، فلم يرجع إلى أقوالهم وأبى إلا غزوه . وسار بجيوشه حتى أتى الحد الذي بينهما والحجر الذي حلف أنه لا يتجاوزه إلى بلاد الهياطلة ، فأمر فيروز بالحجر أن يصمد فيه خمسون فيلاً وثلثمائة رجل ، فجره أمامه وأمر العسكر ألا يتجاوز ذلك الحجر ولا يتقدم الفيلة ، وزعم أنه يكون قد وفى بيمينه ولم يتجاوز ما عاهد عليه . فلما بلغ أخشنوار ذلك أرسل إليه يقول : إن الله عز وجل لا يخادع ولا يماكر ونهاه عن الغدر وقبحه عليه ، وهو لا يكترث بقوله ، وأحجم أخشنوار عن محاربة فيروز وكرهها ، ثم أعمل الفكرة وأخذ يفكر في وجوه المكايد والمكر والخداع ، فحفر حول عسكره خندقاً عرضه عشرة أذرع ، وعمقه عشرون ذراعاً ، وغطاه بخشب ضعيف وألقى عليه التراب ، ثم ارتحل بمن معه ومضى غير بعيد ، فبلغ فيروز رحيل أخشنوار بجنده من معسكره ،