كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 148 """"""
وأطاعوه ، واستخفوا بقباذ ولم يعبأوا بأمره ، وهان عندهم فما حملت نفسه هذه الإهانة والذل ، فأخذ في التدبير على ساخورا وكتب إلى سابور الرازي ، وهو الذي يقال له اللبيب ، وهو أصبهذ البلاد ، في القدوم عليه بمن قبله من الجند ، فقدم بهم سابور فخاطبه قباذ في أمر خاله ، فوافقه سابور عليه ، فأمره قباذ بالتلطف في هذا الأمر وكتمانه ، وإعمال الحيلة وحسن التدبير فيه ، فغدا سابور على قباذ فوجد خاله ساخورا عنده ، فتقدم سابور إليه وهو آمن ، فألقى وهقاً في عنقه واجتذبه وأوثقه بالحديد ثم أودعه السجن ، وقتله قباذ وخافته الفرس وبعده . وفي أيام قباذ ظهر مزدق - ويقال فيه : مزدك ، وتفسيره : حديد الملك ؛ وإليه تضاف المزدقية ، ويقال لهم العدلية - وقال : إن الله تعالى إنما جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالسوية ، ولكن الناس يظلمون ؛ واستأثر بعضهم على بعض ، فانضم إليه جماعة وقالوا : نحن نقسم بين الناس بالسوية ونرد على الفقراء حقوقهم من الأغنياء ، ومن عنده فضل من المال والقوت والنساء والمتاع وغير ذلك فليس هوله ولا أولى به من غيره ؛ فافترض السفلة ذلك واغتنموه واتبعوا مزدك وأصحابه ، فقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على ما فيها من ماله ونسائه ولا يستطيع أن يردهم عنه ولا يدافعهم . ورأى الملك قباذ رأى مزدك وأصحابه وتابعهم فازداد قوة ، فلم يلبث الناس إلا قليلاً حتى صار الأب لا يعرف ولده ، ولا الولد يعرف والده ، ولا يملك أحد شيئاً ، وصيرت العدلية قباذ في مكان لا يصل إليه غيرهم ، فاجتمعت الفرس على خلع قباذ من الملك ففعلوا ذلك .
وملكوا عليهم عند ذلك جاماسف بن فيروز . وهو أخو قباذ . وقيل : إن المزدكية هم الذين أجلسوه . قال : ولما جاماسف قبض على أخيه قباذ وحبسه فاحتالت أخت قباذ في خلاصه . وذلك أنها أتت إلى الحبس الذي هو فيه وحاولت الدخول إلى أخيها ، فمنعها الموكل به من الدخول إليه ، وطمع أنه يفضحها ، وأعلمها أنه لا يمكنها من العبور إليه إلا أن وافقته على قصده ، فأطعمته في نفسها وقالت : إني لا أخالفك في شيء مما تهواه مني ، فمكنها من الدخول إلى السجن والاجتماع بأخيها قباذ ، فدخلت إليه وأقامت عنده أياماً ، ثم لفته في بساط أمرت بعض الغلمان أن يحمله فحمله على عاتقه ، فلما مر الغلام بالموكل بالحبس سأله عن حمله