كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 149 """"""
فاضطرب الغلام فلحقته وقالت : إنه فراش كنت أفرشه تحتي وعركت فيه ؛ وأنها خرجت لتتطهر وتعود فصدقها ولم يمس البساط ولم يدن منه استقذاراً له على مذهبهم في ذلك ، فمضى الغلام به وخرجت أخته في أثره ، وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة يستمد ملكها ليمده بجيش يحارب من خالفه ، ويقال : إن زواجه بأم كسرى أنوشروان كان في هذه السفرة لا في تلك ، وأنه تزوجها بأبرشهر ، وهي ابنة رجل من عظمائها ، وأنه رجع به وبأمه عند عوده من بلاد الهياطلة . قال : وسار قباذ إلى ملك الهياطلة فأقام عنده عدة سنين ، ثم عاد إلى بلاده بأمداده ، فغلب على أخيه ونزعه من الملك بعد أن ملك ست سنين .
ثم عاد قباذ إلى الملك ثانياً ، ولما عاد إلى الملك وجد ابن ساخورا قد وثب في جماعة من أصحابه على مزدك فقتله ، فسعى به إلى قباذ فقتله بمزدك . قال : ثم غزا الروم وافتتح آمد ، ثم أدبر ملكه لسوء عقيدته . وهلك قباذ إثر ذلك . وكان سبب هلاكه أن الحارث بن عمرو الكندي قتل النعمان بن المنذر ابن امرئ القيس ، وملك العرب وما كان ملكه النعمان ، فبعث قباذ بن فيروز إلى الحارث بن عمرو يقول : إنه كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد ، وإني أحب لقاءك ، وخرج للقائه في عدد وعدة ، وجاءه الحارث والتقيا بمكان ، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وبطبق آخر على حالته ، فوضعا بين أيديهما ، وجعل المنزوع بين يدي قباذ ، والذي هو بنواه بين يدي الحارث ، فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى ، وقباذ يأكل التمر ولا يحتاج إلى غلقاء شيء . فقال للحارث : مالك لا تأكل كما آكل ؟ فقال الحارث : غنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا ، وعلم أن قباذ يهزأ به . ثم افترقا على الصلح على ألا يجاوز الحارث وأصحابه الفرات ، إلا أن الحارث استضعف قباذ وطمع فيه . فأمر أصحابه أن يعبروا الفرات ويغيروا على قرى السواد ففعلوا ذلك ، فجاء الصريخ إلى قباذ وهو بالمدائن ، فكتب إلى الحارث بن عمرو أن لصوصاً من العرب قد أغاروا على السواد ، وأنه يحب لقاءه فلقيه ، فقال قباذ كالعاتب له : قد صنعت صنيعاً ما صنعه أحد قبلك ، فطمع الحارث فيه من لين كلامه وقال : ما علمت بذلك ولا شعرت به ، وإني لا أستطيع ضبط لصوص العرب ، وما كل العرب

الصفحة 149