كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 150 """"""
تحت طاعتي ، ولا أتمكن منهم إلا بالمال والجنود . فقال له قباذ : فما الذي تريد ؟ قال : أريد أن تعطيني من السواد ما أتخذ به سلاحاً ، فأمر له بمايلي جانب العرب من أسفل الفرات ؛ وهو ستة طساسيج ؛ فعند ذلك زاد طمع العرب فيه ، وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع وهو باليمن : إني قد طمعت في ملك الأعاجم ، وقد أخذت منه ستى طساسيج ، فأجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء ؛ لأن الملك عليهم لا يأكل اللحم ولا يستحل هراقة الدماء ، وله دين يمنعه من ضبط الملك ؛ فبادر إليه بجندك وعدتك ، وأطعمه في الفرس . فجمع تبع جنوده وسار حتى نزل الحيرة ، وقرب من الفرات ، فآذاه البق ، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهر الحيرة فنزل عليه ، ووجه ابن أخته شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري ، ثم أدركه بها فقتله .
وملك بعده ابنه كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز . ولما ملك استقبل الأمر بجد وسياسة وحزم . وكان جيد الرأي ، كثير النظر ، صائب التدبير ، طويل الفكر ؛ فجدد سيرة أردشير وعمل بها ، ونظر في عهده وأخذ نفسه به ، وأدب رعيته وبطانته ، وبحث عن سياسات الأمم فاستصلح لنفسه منها ما رضيه ، ونظر في تدابير أسلافه المستحسنة فاقتدى بها . وكان أول ما بدا به أن أبطل ملة زرادشت الثاني الذي كان من أهل فسا ، وأبطل ملة المزدكية وقتل على ذلك خلقاً كير ، وسفك من الدماء بسبب إبطال هذين المذهبين مالا يحصى كثرة ، وقتل قوماً من المانوية ، وثبت ملة المجوسية القديمة ، وكتب في ذلك كتباً بليغة إلى أصحاب الولايات والأصبهبذين ، وقوى ملك الفرس بعد ضعفه بإدامة النظر وهجر الملاذ وترك اللهو ، وقوى جنوده بالأسلحة والأمتعة والكراع ، وعمر البلاد وحفظ الأموال وثمرها ، وسد الثغور واستعاد كثيراً من الأطراف التي غلب عليها الأمم .

الصفحة 150