كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 154 """"""
ولا نطق بكلمة . فكرر كسرى عليهم القول ثلاثاً ، فقام رجل من عرضهم وقال : أتضع أيها الملك - عمرك الله - خالداً من هذا على الفاني ؟ من كرم يموت ، وزرع يهيج ، ونهر يغيض ، وعين أو قناة ينقطع ماؤها . فقال له كسرى : يا ذا الكلفة المشئوم ، من أي طبقات الناس أنت ؟ فقال : من الكتاب . فقال كسرى : اضربوه بالدوي ، حتى يموت ، فضربه الكتاب خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه ، وما صدر من مقالته حتى قتلوه . وقال الناس : نحن راضون بما الزمتنا أيها الملك يه من خراج . ثم اجتمعت الآراء على وضع ما ذكرناه من الوضائع ، فاستقرت على ذلك إلى أن الإسلام ، وبها أخذ عمر رضي الله عنه لما فتحت بلاد فارس .
ذكر قطعة من سير كسرى أنوشروان وسياسته
قال الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم : إنه قرا فيما كتبه أنوشروان من سيرة نفسه في كتاب عمله في سيرته وما ساس به مملكته : قال كسرى : كنت يوماً جالساً بالدسكرة وأنا سائر إلى همذان لنصيف هناك ؛ وقد أعد الطعام للرسل الذين بالباب من قبل خاقان والهياطلة والصين وقيصر ونقفور ؛ ودخل رجل من الأسورة مخترطاً سيفه حتى وصل إلى الستر في ثلاثة أماكن ، وأراد الدخول حيث نحن والوثوب علينا ، فأشار علي بعض خدمي أن أخرج إليه بسيفي ، فعلمت انه إن كان إنما هو رجل واحد فسوف يحال بيننا وبينه ، وإن كانوا جماعة فإن سيفي لا يغني شيئاً ؛ فلم أخف ولم أتحرك من مكاني ؛ وأخذه بعض الحرس فإذا هو رجل رازي من حشمنا وخاصتنا ، فلم يشكوا أن على رأيه كثيراً من الناس ، فسألوني ألا أجلس ولا أحضر للشرب حتى يستبين الأمر ، فلم أجبهم إلى ذلك لئلا ترى الرسل مني جبناً ، فخرجت لشربي ، فلما فرغنا هددت الرازي بالعقوبة وقطع اليمين ، وسألته أن يصدقني عن الذي حمله على ذلك ، وأنه إن صدقني لم تنله عقوبة بعد ذلك ؛ فذكر أن قوماً وضعوا من قبل أنفسهم كتباً وكلاماً ، وذكروا