كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 157 """"""
خسرو يممت تلك المدائن العتيقة ، وتلك الحدود ، وأمرت ببناء حصون أخر . فلما بلغ خاقان الخزر نزولنا هناك تخوف أن نغزوه ؛ فكتب أنه لم يزل - منذ ملكت - يحب موادعتي ، وأنه يرى الدخول في طاعتي ؛ ورأى بعض قواده - لما شاهد حاله - تركه وأتانا في ألفين من أصحابه ، فقبلناه وأنزلناه في تلك الناحية ، وأجريت عليه وعلى أصحابه الرزق ، وأمرت لهم بحصن هناك ، وأمرت بمصلى لأهل ديننا ، وجعلت فيه موبذاً وقوماً نساكاً ، وأمرتهم أن يعلموا من دخل من الترك في طاعتنا ما في طاعة الولاة من المنفعة العاجلة في الدنيا ، ولاثواب الآجل في الأخرى ، وأن يحثوهم على المودة والصحبة والعدل والنصيحة ومجاهدة العدو ، وأن يعلموا أحداثهم رأينا ومذهبنا ، وأقمت لهم في تلك التخوم الأسواق ، وأصلحت طرقهم وقومت السكك . ونظرنا فيما اجتمع لنا هناك من الخيل والرجال فغذت هو بحيث لو كان بوسط فارس لكان منزلنا بها فاضلاً . وقال : فلما أتى لمكنا ثمان وعشرون سنة جددت النظر في أمر المملكة والعدل على الرعية ، والنظر في أمرهم ، وإحصاء مظالمهم ، وإنصافهم . وأمرت موبذ كل ثغر ومدينة وبلد بإنهاء ذلك إلي . وأمرت بعرض الجند ، من كان منهم بالباب بمشهد مني ، ومن غاب في الثغور والأطراف بمشهد من القائد وبادوستان والقاضي وأمين من قبلنا . وأمرت بجمع أهل كور الخراج في كل ناحية من مملكتي إلى مصرها مع القائد وقاضي البلد والكاتب والأمين . وسرحت من قبلي من عرفت صحبته وأمانته ونسكه وعلمه ، ومن جربت ذلك منه إلى كل مصر ومدينة حيث أولئك العمال والغلمان وأهل الأرض ليجمعوا بينهم وبين أهل أراضيهم وبين وضيعهم وشريفهم ، وأن يرفع الأمر كله على حقه وصدقه ، فما نفذ لهم فيه أمر أو صح فيه القضاء فرضى به أهله فرغوا منه هنالك ، وما أشكل عليهم رفعوه إلي .
وبلغ اهتمامي بتفقد ذلك مالولا الذي أداري من الأعداء والثغور لباشرت أمر الخراج والرعية بنفسي قرية قرية حتى أتعهدها وأكلم رجلاً رجلاً من أهل مملكتي ؛ غير أني تخوفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو اعظم منه ، الأمر الذي لا يغني فيه