كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 159 """"""
ولم يجعل الله لذوي قرابتنا ورحمنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحق والعدل ؛ فإن من شأن قرابة الملك وحاشيته أن يستطيلوا بعزته وقوته ، فإذا أهمل السلطان أمرهم هلك من جاوره إلا أن يكون فيهم متأدب بأدب ملكه ، محافظ على دينه ، شفيق على رعيته ، وأولئك قليل ؛ فدعانا الذي أطلعنا عليه من ظلم أولئك ألا نطلب البينة عليهم فيما ادعى قبلهم . ولم نزل نرد المظالم ، ولم نرد أيضاً ظلم أحد ممن كان عزيزاً بنا ، منيعاً بمكانه ومنزلته عندنا ، فإن الحق واسع للضعفاء والأقوياء والفقراء والأغنياء ؛ ولكنا لما أشكلت الأمور في ذلك علينا كان الحمل على خواصنا وخدمنا أحب إلينا من أن نحمل على ضعفاء الناس ومساكينهم ، وأهل الفاقة والحاجة منهم . وعلمنا أن أولئك الضعفاء لا يقدرون على ظلم من حولنا . وعلمنا مع ذلك أن الذين أعدينا لهم من خاصتنا يرجعون من نعمتنا وكرامتنا إلى ما لا يرجع إليه أولئك . ولعمري إن خواصنا إلينا ، وآثر خدمنا في أنفسنا الذين يحفظون سيرتنا في الرعية ، ويرحمون أهل الفاقة والمسكنة وينصفونهم ؛ فإنه قد ظلمنا من ظلمهم ، وجار علينا من جار عليهم ، وأراد تعطيل ذمتنا التي هي حرزهم وملجأهم . قال : ثم كتب إلينا على رأس سبع وثلاثين سنة من ملكنا ، أربعة أصناف من الترك من ناحية الخزر ، ولكل صنف منهم ملك ، يذكرون ما دخل عليهم من الحاجة ، وما لهم من الحظ في عبوديتنا ، وسألوا أن نأذن لهم في القدوم بأصحابهم لخدمتنا ، والعمل لما نأمرهم به ، وألا نحقد عليهم ما سلف منهم قبل ملكنا ، وأن ننزلهم منزلة سائر عبيدنا ، فإنا سنرى في كل ما نأمرهم به من قتال وغيره كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا ، فرأيت في قبولي إياهم عدة منافع منها : جلدهم وبأسهم ، ومنها : أني تخوفت أن تحملهم الحاجة على إتيان قيصر أو بعض الملوك فيقووا بهم علينا ، وقد كان فيما سلف يستأجر منهم قيصر لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الأجرة .
وكان لهم في ذلك القتال بعض الشوكة بسبب أولئك الأتراك ؛ لأن الترك ليس عندهم لذة للحياة ، فهو الذي يجرئهم مع شقاء معايشهم على الموت ؛ فكتبت إليهم إنا نقبل من دخل في طاعتنا ، ولا نبخل على أحد بما عندنا ، وكتبت إلى مرزبان الباب آمره بأن يدخلهم أولاً أولاً ، فكتب إلي إنه قد أتاه منهم خمسون ألفاً بنسائهم وأولادهم وعيالهم . ولما

الصفحة 159