كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 161 """"""
أطعت غيرك في ذلك ، وما ذنبدك في طاعة من أطعت في ذلك إلا كذبتك فيما فعلته برأي نفسك ، وإني قد استحققت أشد العقوبة . وكتبت أني لا أظن شيئاً من الوثيقة تفي لكم إلا وقد كنت ضيعته ، ولا أظن شيئاً وثقت لنا به من قبل اليوم ثم غدرتم ، فكيف نطمئن إليك ونثق بقولك ؟ ولسنا نأمنك على مثل ما فعلت من الغدر ونقض العهد والكذب في اليمين . وذكرت أن رسل قيصر عندك ، ووقفنا على استئذانك إيانا فيهم ؛ وإني لست أنهاك عن مودة أحد . وكرهت أن يرى أني أتخوف مصادقته وأهاب ذلك منه . وأحببت أن أعلمه أني لا أبالي بشيء مما جرى بينهما . ثم سرحت لمرمة المدائن والحصون التي بخراسان وجمع الأطعمة والأعلاف إليها ما يحتاج إليه الجند ، وأمرت أن يكونوا على استعداد وحذر ، ولا يكون من غفلتهم ما كان في المرة الأولى وهم على حال الصلح .
قال : وكان شكري لله تعالى لما وهب لي وأعطاني متصلاً بنعمه الأول التي وهبها لي في أول خلقه إياي ؛ فإنما الشكر والنعم عدلا كفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه ، فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلاً انقطع الحمل وهلك ظهر الحامل ، وإذا كان ذلك مستوياً استمر الحامل . وكثير النعم يحتاج صاحبها إلى كثير الشكر ، وكثير الشكر يجلب كثير النعم . ولما وجدت الشكر بعضه بالقول ، وبعضه بالعمل ، ونظرت في احب الأعمال إلى الله وجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض ، وأرسى به الجبال ، وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية . وذلك الحق والعدل فلزمتهما . ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها معايش الناس والدواب والطير وسكان الأرض .
ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء أهل العمارة ، ووجدت أهل العمارة أجراء المقاتلة ، فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ، ومجاهدتهم من ورائهم ، فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم ؛ فإن عمارتهم تتم بهم ، وإن أبطأوا عليهم بذلك أو هدوهم فقوي عدوهم ؛ فرأيت من الحق على أهل الخراج ألا يكون لهم من عمارتهم إلا ما أقام معايشهم ، وعمروا به بلدانهم ، ورأيت ألا أجتاحهم وأستفرغ ذات أيديهم للخزائن