كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
والمقاتلة ، فإني إذا فعلت ذلك ظلمت المقاتلة مع ظلم أهل الخراج ؛ وذلك أنه إذا فسد العامر فسد المعمور ، وكذلك أهل الأرض والأرض ، فإنه إذا لم يكن لأهل الخراج ما يعيشهم ويعمرون به بلادهم هلكت المقاتلة الذين قوتهم بعمارة الأرض ؛ فلا عمارة للأرض لا بفضل ما في يد أهل الخراج ؛ فمن الإحسان إلى المقاتلة والإكرام لهم أن أرفق بأهل الخراج وأعمر بلادهم ، وأدع لهم فضلاً في معايشهم ؛ فأهل الأرض وذووا الخراج أيدي المقاتلة والجند وقوتهم ، والمقاتلة أيضاً أيدي أهل الخراج وقوتهم .
ولقد ميزت ذلك بجهدي وطاقتي ، وفكرت فيه فما رأيت أن أفضل هؤلاء على هؤلاء إذ وجدتهما كاليدين المتعاونتين والرجلين المترادفتين .
ولعمري ما أعفى أهل الخراج من الظلم من أضر بالمقاتلة ، ولا كف الظلم عن المقاتلة من تعدى على أهل الخراج . ولولا سفهاء الأساورة لأبقوا على أهل الخراج والبلاد إبقاء الرجل على ضيعته التي منها معيشته وحياته وقوته ، ولولا جهال أهل الخراج لكفوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثاراً على أنفسهم . قال : ولما فرغنا من إصلاح العامة والخاصة بهذين الركنين من أهل الخراج والمقاتلة كان ذلك ثمرة العدل والحق الذي دبر الله العظيم خلائقه به ، وشكرت الله على نعمته والمقاتلة في أداء حقه على مواهبه ، وأحكنا أمر المقاتلة وأهل الخراج ببسط العدل ، وأقبلنا بعد ذلك على السير والسنن ، ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم من أمورنا ، والأكبر فالأكبر عائداً على جندنا ورعيتنا ، ونظرنا في سير آبائنا من لدن بستاسف إلى ملك قباذ أقرب آبائنا . ثم لم نترك إصلاحاً في شيء من ذلك إلا أخذناه ، ولا فساداً إلا أعرضنا عنه ، ولم يدعنا حب الآباء إلى قبول ما لا خير فيه من السنن ، ولكنا آثرنا حب الله وشكره وطاعته .
ولما فرغنا من النظر في سير آبائنا وبدأنا بهم ، وكانوا أحق بذلك ، فلم ندع حقاً إلا آثرناه ، ووجدنا الحق في القرابة . نظرنا في سير أهل الروم والهند فاصطفينا محمودها ، وجعلنا عيار ذلك عقولنا ، وميزانه بأحلامنا ، فأخذنا من جميع ذلك ما

الصفحة 162