كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 163 """"""
زين سلطاننا ، وجعلناه سنة وعادة ، ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل به أهواؤنا ، وأعلمناهم ذلك وأخبرناهم به ، وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم من السير ونهيناهم عنه وتقدمنا إليهم فيه ؛ غير أنا لم نكره أحداً على غير دينه وملته ، ولم نحسدهم ما قبلنا ، ولا منع ذلك انقباض بعلم ما عندهم ، فإن الإقرار بمعرفة الحق والعلم والأتباع له من أعظم ما تزينت به الملوك . ومن أعظم المضرة على الملوك الأنفة من العلم والحمية من طلبه ، ولا يكون عالماً من لا يتعلم .
ولما استقصيت ما عند هاتين الأمتين من حكمة التدبير والسياسة ، ووصلت بين مكارم أسلافي ، وما أحدثته بالرأي ، وأخذت به نفسي ، وقبلته عن الملوك الذين لم يكونوا منا ، وثبت على الأمر الذي نلت به الظفر والخير ، ورفضت سائر الأمم لأني لم أجد عندهم رأياً ولا عقولاً ولا أحلاماً ، ووجدتهم أصحاب بغي وحسد وكلب وحرص وشح وسوء تدبير وجهالة ولؤم عهد وقلة مكافأة . وهذه أمور لا تصلح عليها ولاية ، ولا تتم لها نعمة .
قال ابن مسكويه : وقرأت مع هذه االسير في آخر هذا الكتاب الذي كتبه أنوشروان في سيرة نفسه أن أنوشروان لما فرغ من أمور المملكة وهذبها جمع إليه الأساورة مع القواد والعظماء والمرازبة والنساك والموابذة وأماثل الناس معهم فخطبهم فقال :
ذكر خطبة أنوشروان
قال : أيها الناس ، أحضروني فهمكم ، أعطوني أسماعكم ، وناصحوني أنفسكم ، فإني لم أزل واضعاً سيفي على عنقي منذ وليت عليكم غرضاً للسيوف والأسنة ، وكل ذلك للمدافعة عنكم ، والإبقاء عليكم ، وإصلاح بلادكم مرة بأقصى الشرق ، وتارة في آخر المغرب ، وأخرى في نهاية الجنوب ، ومثلها في جانب الشمال ، ونقلت الذين اتهمتهم إلى غير بلادهم ، ووضعت الوضائع في بلدان الترك ، وأقمت بيوت النيران بقسطنطنية ، ولم أزل أصعد جبلاً شامخاً وأنزل عنه ، وأطأ