كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 164 """"""
حزونه بعد سهوله ، وأصبر على المخمصة والمخافة ، وأكابد البرد والحر ، وأركب هول البحر وخطر المفازة ؛ إرادة هذا الأمر الذي قد أتمه الله لكم : من الإثخان في الأعداء ، والتمكن في البلاد ، والسعة في المعاش ، ودرك العز ، وبلوغ ما نلتم ؛ فقد أصبحتم بحمد الله ونعمته على الشرف الأعلى من النعمة ، والفضل الأكبر من الكرامة والأمن ، وقد هزم الله أعداءكم وقتلهم ؛ فهم بين مقتول هالك ، وحي مطيع لكم سامع ؛ وقد بقي لكم عدو عددهم قليل ، وبأسهم شديد ، وشوكتهم عظيمة ؛ وهؤلاء الذين بقوا أخوف عندي عليكم ، وأحرى أن يهزموكم ويغلبوكم من الذين غلبتموهم من أعدائكم ، وأصحاب السيوف والرماح والخيول ؛ وإن أنتم أيها الناس غلبتم عدوكم هذا الباقي ، غلبتكم لعدوكم الذين قاتلتم وحاصرتم ، فقد تم الظفر والنصر ، وتمت فيكم القوة ، وتم بكم العز ، وتمت عليكم النعمة ، وتم لكم الفضل ، وتم لكم الاجتماع والألفة والصحة والسلامة ؛ وغن أنتم قصرتم وهنتم ، وظفر هذا الدو بكم فأين الظفر الذي كان منكم ، فاطلبوا أن تقتلوا من هذا العدو الباقي مثل ما قتلتم من ذلك العدو الماضي ؛ وليكن جدكم في هذا واجتهادكم واحتشادكم أكبر وأجل وأحزم وأعزم وأصح وأشد ، فإن أحق الأعداء بالاستعداد له أعظمهم مكيدة ، وأشدهم شوكة ، وليس الذي كنتم تخافون من عدوكم الذي قاتلتم بقريب من هؤلاء الذين آمركم بقتالهم الآن ؛ فاطلبوه وصلوا ظفراً بظفر ، ونصراً بنصر ، وقوة بقوة ، وتأييداً بتأييد ، وعزماً بحزم وعزم ، وجهاداً بجهاد ؛ فإن بذلك اجتماع غصلاكم ، وتمام النعمة عليكم ، والزيادة في الكرامة من الله لكم ، والفوز برضوانه في الآخرة .
ثم اعلموا أن عدوكم من الترك والروم والهند وسائر الأمم لم يكونوا ليبلغوا منك - إن ظهروا عليكم وغلبوكم - مثل الذي يبلغ هذا العدو منكم إن غلبكم وظهر عليكم ؛ فإن بأس هذا العدو أشد ، وكيده أكبر ، وأمره أخوف من ذلك العدو يا أيها الناس ، إني قد نصبت لكم كما رأيتم ، ولقيت ما قد علمتم بالسيف والرمح والمفاوز والبحار والسهولة والجبال ؛ أقارع عدواً عدواً ، وأكالب جنداً جنداً ،

الصفحة 164