كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 165 """"""
وأكابد ملكاً ملكاً ، لم أتضرع إليكم هذا التضرع في قتال أولئك الجنود والملوك ، ولم أسألكم هذه المسالة في طلب أجد منكم ، والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد ، وإنما فعلت كذا لعظم خطره ، وشدة شوكته ، ومخافة صولته بكم . وإن أنا أيها الناس لم أغلب هذا العدو وأنفة عنكم ، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء ، ونفيت عنكم أضعفها ، فأعينوني على نفي هذا العدو المخوف عليكم ، القريب الدار منكم ؛ فأنشدكم الله أيها الناس لما أعنتموني عليه حتى أنفيه عنكم ، وأخرجه من بين أظهركم فيتم بلائي عندكم ، وبلاء الله فيكم عندي ، وتتم النعمة علي وعليكم ، والكرامة من الله لي ولكم ، ويتم هذا العز والنصر ، وهذا الشرف والتمكين ، وهذه الثروة والمنزلة .
يا أيها الناس ، إني تفكرت بعد فراغي من كتابي هذا ، وما وصفت من نعمة الله علينا في الأمر الذي لما غلب دارا الملوك والأمم وقهرها ، واستولى على بلادها ولما تحكم أمر هذا العدو ، هلك وهلكت جنوده بعد السلامة والظفر والنصر والغلبة ؛ وذلك أنه لم يرض بالأمر الذي تم به بالملك ، واشتد به السلطان ، وقوى به على الأعداء ، وتمت عليه به النعمة ، وفاضت عليه من وجوه الدنيا كلها الكرامة ، حتى احتال له بوجوه النميمة والبغي ؛ فدعا البغي الحسد فتقوى به وتمكن ، ودعا الحسد بغض أهل الفقر لأهل الغنى ، وأهل الخمول لأهل الشرف ؛ ثم أتاهم الإسكندر وهم على ذلك من تفرق الأهواء ، واختلاف الأمور ، وظهور البغضاء وقوة العداوة فيما بينهم والفساد منهم . ثم ارتفع ذلك إلى أن قتله صاحب حرسه وأمينه على دمه ، للذي شمل قلوب العامة من الشر والضينة ، ونبت فيها من العداوة والفرقة ، وكفى الإسكندر مؤنة نفسه ؛ وقد اتعظت بذلك اليوم وذكرته . ياأيها الناس ، فلا اسمعن في هذه النعمة تفرقاً ولا بغياً ولا حسداً ظاهراً ، ولا وشاية ولا سعاية ، فإن الله قد طهر من ذلك أخلاقنا وملكنا ، وأكرم عنه ولايتنا ، وما نلت ما نلت بنعمة ربنا وحمده بشيء من الأمور الخبيثة التي نفتها العلماء ، وعافتها الحكماء ؛ ولكن نلت هذه الرتبة بالصحة والسلامة ، والحب للرعية ، والوفاء والعدل والاستقامة والتؤدة . وإنما تركنا أن نأخذ عن هذه الأمم التي سميناها ، أعني من الترك والبربر والزنج والجبال وغيرهم ، مثل ما أخذنا عن الهند والروم لظهور هذه الأخلاق فيهم وغلبتها عليهم . ولا تصلح أمة قط وملكها على ظهور هذه الأخلاق التي هي أعدى أعدائكم .

الصفحة 165