كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 166 """"""
يا أيها الناس ، إن فيما بسط الله علينا بالسلامة والعافية والاستصلاح غني لنا عما نطلب بهذه الأخلاق الرديئة المشئومة ؛ فاكفوني في ذلك أنفسكم ؛ فإن قهر هذه الأعداء أحب إلي وخير لكم من قهر أعدائكم من الترك والروم . فأما أنا أيها الناس فقج طبت نفساً بترك هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم .
يا أيها الناس ، غني قد أحببت أن أنفي عدوكم الظاهر والباطن ؛ فأما الظاهر منهما فإنا بحمد الله ونعمته قد نفيناه وعاننا الله عليه وحصد لنا شوكته ، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسيتم وأجهدتم ، فافعلوا في هذا العدو كما فعلتم في ذلك العدو ، واعملوا فيه كالذي عملتم في ذلك ، واحفظوا عني ما أوصيكم به فإني شفيق عليكم ناصح لكم .
أيها الناس ، من أحيا هذه الأمور فينا فقد أفسد بلادءه عندنا من كان يقاتلنا من أعدائنا ، فإن هذه أكثر مضرة ، وأشد شوكة ، وأعظم بلية ، وأضر تبعة .
واعلموا أن خيركم يا أيها الناس من جمع إلى بلائه السالف عندنا المعونة لنا على نفسه في هذا الغابر . واعلموا أن من غلبه هذا غلبه ذاك ، ومن غلب هذا فقد قهر ذاك ؛ وذلك أن بالسلامة والألفة والمودة والاجتماع والتناصح منكم يكون العز والقدرة والسلطان ، ومع التحاسد والبغي والنميمة والسب يكون ذهاب العز ، وانقطاع القوة وهلاك الدنيا والآخرة ؛ فعليكم بما أمرنا به ، واحذروا ما نهيناكم عنه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . عليكم أهل الفاقة ، وضيافة السلابلة ، وأكرموا جوار من جاوركم ، وأحصنوا صحبة من دخل فيكم من الأمم ، فإن الإحراج في ذمتي ، ولا تجبهوهم ولا تظلموهم ، ولا تسلطوا عليهم ، ولا تحرجوهم ، فإن الإحراج يدعو إلى المعصية ، ولكن اصبروا لهم على بعض الأذى ، واحفظوا أمانتكم وعهدكم ، واحفظوا ما عهدت إليكم من هذه الأخلاق ، فلا تصلحوا إلا معها ، وبالله تعالى ثقتنا في الأمور كلها . ثم هلك أنوشروان بعد ثمان وأربعين سنة من ملكه .
ثم ملك بعده ابنه هرمز بن كسرى أنوشروان . وأمه قاقم ابنة خاقان ملك الترك . وقيل : بل ابنة ملك من ملوك الخزر . قال : وكان كثير الأدب ، حسن السياسة ، جميل النية ، وافر الإحسان إلى الضعفاء والمساكين .

الصفحة 166