كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)
"""""" صفحة رقم 168 """"""
فهذه كانت سيرته في العدل ، وهذا كان خوف جنده وأساورته منه . وكان مظفراً منصوراً ، وكان أديباً داهياً ، إلا أنه كان مقصياً للأشراف وأهل البيوتات والعلماء . وقيل : إنه قتل ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل منهم ، ولم يكن له رأى إلا في تآلف السفلة وأسقاط الناس واستصلاحهم . وحبس خلقاً كثيراً من العظماء ، وحط مراتب جماعة كبيرة ، وقصر بالأسورة ففسدت عليه نيات أكابر جنده وعظماء مملكته ، فكان عاقبة سوء هذا التدبير أن خرج عليه جماعة من الملوك منهم شابه شاه ملك الترك في ثلثمائة ألف مقاتل ، وسار إلى باذغيس ، وذلك بعد مضي إحدى عشرة سنة من ملكه ، وخرج عليه ملك الروم في ثمانين ألف مقاتل ، وخرج عليه ملك الخزر حتى سار إلى باب الأبواب ، وخرج عليه من العرب خلق كثير ، فنزلوا في شاطئ الفرات وشنوا الغارات على أهل السواد ، فاجترأ عليه أعداؤه وغزوا بلاده .
فأما شابه شاه ملك الترك فإنه أرسل إلى هرمز وإلى عظماء ملكه من الفرس يؤذنهم بإقباله في جيوشه زمراً زمراً ، وأعلمهم أنه يريد غزو الروم ، ويسلك إليهم من بلادهم ، وأمرهم أن يعقدوا له قناطر على كل نهر يمر عليه في بلادهم من الأنهار التي لا قناطر عليها ، وكذلك في الأدوية ، وأن يسهلوا له الطرق والمسالك وقال : فإنني قد أجمعت على المسير إلى بلاد الروم من بلادكم ، فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك ، وجمع أكابر مملكته وعرض ذلك عليهم ، وشاورهم فيما يفعله ، فاجتمعت الآراء على قصد ملك الترك وحربه ، فندب إليه رجلاً من أهل الرأي والنجدة يقال له بهرام جوبين ، فاختار بهرام من العسكر اثني عشر ألفاً من الكهول دون الشباب ، وسار بهم حتى انتهى إلى هراة وباذغيس ، ولم يشعر شابه شاه ملك الترك ببهرام حتى وافاه ونزل بالقرب من معسكره ، فكانت بينهما حروب كثيرة آخرها أن بهرام جو بين قتل شابه برمية رماه بها فاستباح عسكره ، وأقام بهرام موضعه ، فوافاه برموذة بن شابه وكان يعدل بأبيه ، فحاربه فهزمه بهرام جوبين وحصره في بعض الحصون ، ثم ألح عليه حتى استسلم له ، فوجهه أسيراً إلى هرمز ، وغنم كنوزاً عظيمة ، فيقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجواهر والأواني وسائر الأمتعة وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير في مدة تلك الأيام ، فشكره هرمز على ذلك ، وأمر أن يتقدم بمن معه إلى بلاد الترك فلم يره بهرام صواباً ، ثم خاف سطوة هرمز .