كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 15)

"""""" صفحة رقم 169 """"""
وحكى له أن الملك يستقل ما حمله إليه من الغنائم في جنب ما وصل إليه منها ، وأنه يقول في مجالسه قد ترفه بهرام واستطاب الدعة ، وبلغ ذلك الجند فخافوا مثل خوفه . فيقال إن بهرام جمع ذات يوم وجوه عسكره وأجلسهم على مراتبهم ثم خرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن حت جلس في موضعه ؛ وحمل إلى كل واحد من أولئك القوم مغزل وقطن ووضع بين أيديهم ، فامتعضوا من ذلك وأنكروه وقالوا : ما هذا الزي فقال بهرام : إن كتاب الملك ورد علي بذلك ولا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين له ، فاظهروا أنفة وحمية واجمعوا كلهم على خلع هرمز ، فخلعوه وأظهروا أن ابنه كسرى أبرويز أصلح للملك منه ، وساعدهم على ذلك خلق كثير ممن كان بحضرة هرمز . ولما اتصل ذلك بهرمز أنفذ جيشاً كثيفاً مع بعض قواده لمحاربة بهرام جوبين ، فأشفق أبرويز من الحديث وخاف سطوة أبيه ببهرام ، فهرب إلى أذربيجان ، فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة ومن الاصبهبذين ، فأعطوه بيعتهم ولم يظهر ابرويز شيئاً ، وأقام بمكانه إلى أن بلغه قتل القائد الذي كان قد بعثه هرمز محاربة بهرام جوبين ، وهو اذبيحشيش ، وهزيمة الجيش الذي كان معه واضطراب أمر هرمز أبيه ، وكتبت أخب أذبيجشيش إلى كسرى أبرويز تخبره بضعف أبيه هرمز . وأعلمته أن العظماء والوجوه قد أجمعوا على خلعه ، وأن بهرام جوبين إن سبقه إلى المدائن احتوى على الملك . قال : ولم يلبث العظماء أن وثبت على هرمز وفيهم بندويه وبسطام خالاً أبرويز وخلعوه وسملوا عينيه ، وتركوه تحرجاً من قتله . فكان ملكه إلى أن خلع وسمل اثنتي عشرة سنة .
ثم ملك بعده ابنه كسرى أبرويز هرمز بن كسرى أنوشروان . قال : ولما ملك بادر بمن معه إلى المدائن وسبق إلهيا بهرام جوبين وتتوج وجمع إليه الوجوه والأشراف ، وجلس على السرير ومناهم ، فأمرهم بالسم والطاعة ، فاستبشر الناس به ودعوا له وأجابوه ودخلوا تحت طاعته . فلما كان في اليوم الثاني أتى إلى أبيه فسجد له ، واعتذر وقال : إنك تعلم أيها الملك إنني بريء مما جناه إليك هؤلاء القوم الذين فعلوا بك ما فعلوا ، وإنما هربت خوفاً منك وإشفاقاً على نفسي ، فصدقه هرمز وقال : يا بني إن لي إليك حاجتين فأسعفني بهما ، إحداهما : أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي وسمل عيني ولا تأخذك بهم رأفة ، والأخرى تونسني كل يوم بثلاثة نفر ممن لهم أصالة رأي ، وتأذم لهم بالدخول إلي ؛ فتواضع له أبرويز وقال : عمرك الله أيها

الصفحة 169